ياسين العربي – من تونس إلى فيتنام

ياسين العربي – من تونس إلى فيتنام

هل لازلت تذكر ضياء الدين (والذي سبق ونشرنا قصة نجاحه على هذا الرابط)؟ حسنا، ما حدث منذ آخر لقاء لنا معه هو أن ضياء الدين سافر إلى فيتنام، وهناك حيث تعرف على ياسين العربي والذي حكى له قصته في فيتنام، ليعود ضياء الدين ويحكيها لنا في السطور التالية.

قصة نجاح ياسين العربي

ياسين العربي شاب تونسي، كان يعمل في مصنع ملابس في تونس، وتصادف أنه بجوار هذا المصنع، يوجد مصنع آخر صاحبه بلجيكي الجنسية، وبسبب السمعة الطيبة التي حققها ياسين لنفسه، اتصل به هذا البلجيكي وعرض عليه أن يشغل وظيفة مدير التصنيع في مصنع ملابس آخر يملكه في فيتنام. (وهي ذات الوظيفة التي كان ياسين يعمل فيها في تونس)

في هذه اللحظة، لم يكن ياسين حتى يعرف أين تقع فيتنام على الخريطة، ناهيك عن مدينة سايجون حيث يقع المصنع…

في نهاية عام 2012، وافق ياسين على خوض هذه المغامرة وسافر قاصدا فيتنام.

كان أول ما اكتشفه ياسين في وظيفته الجديدة هو أن المصنع لا يعمل بكامل طاقته، وكانت الإدارة موكولة إلى فريق عمل من 13 شخصا يحملون الجنسية الهندية.

حين حضر ياسين العربي أول اجتماع مع مجلس الإدارة، لاحظ نبرات الافتخار بما حققه المصنع من أرباح والانشغال بوضع اللمسات الأخيرة لحفل نهاية العام لتكريم المديرين والعمال المميزين.

مرت الأيام وأقيم الحفل السنوي وتم توزيع هدايا قيمة من هواتف ولوحيات للموظفين المتميزين، حتى أن ياسين أرسل صور الحفل لأصدقائه بتونس مفتخرا بمصنعه الجديد الذي يحقق أرباحا كبيرة ويكافئ عامليه مع ضغط عمل أقل.

لقد كانت الأمور تسير على خير ما يرام والحياة جميلة والمستقبل باهر والأرباح تتزايد والكل سعيد خاصة مدير المصنع…

الحياة ليست جميلة!

ثم جاء اتصال هاتفي في سبتمبر 2013 من البنك الذي يتعامل معه المصنع إلى صاحب المصنع …

كان البنك قلقا من عدم سداد المصنع لمديونية تزيد عن 3 مليون دولار…

لم يصدق صاحب المصنع الخبر وأكد على أن هناك خطأ كبير حتما ولهذا طلب زيارة البنك في اليوم التالي لتوضيح هذا الأمر…

كانت الصدمة أن البنك لم يكن على خطأ (وقلما تخطئ هذه الكيانات المالية).

بالتدقيق في الدفاتر المحاسبية والفواتير تبين وجود طلبات شراء وهمية لمنتجات المصنع – على الورق فقط وليس في الواقع، وتبين كذلك وجود 3 ملايين دولار أخرى مديونية لموردين آخرين…

بالمراجعة تبين أن لدى المصنع مخزون مثبت بقيمة تتعدى 5 ملايين دولار بينما في الحقيقة القيمة الفعلية لا تزيد عن مليون دولار على الأكثر…

أي أن المصنع (الذي كان يحتفل ويوزع الهدايا على العاملين) فعليا مدين بقرابة 6 مليون دولار، نصفهم للبنك والنصف الآخر للموردين…

الهروب الكبير

في هذا الاسبوع هرب كل مجلس الإدارة خارج فيتنام.

كان الوضع سيئا للغاية، خسائر وفساد إداري ومالي وموردين لم يحصلوا على مستحقاتهم وبنك على وشك أن يأخذ الإجراءات القانونية ضد المصنع…

لم يكن ياسين العربي قد أكمل عامه الاول بالمصنع بعد، وكان رجوعه لتونس خيارا صعبا، خاصة وأن حكم الناس عليه سيكون أنه ذهب للمصنع وهو يعمل وتركه وقد أغلق أبوابه، كذلك لم يرد ياسين أن يتخلى عن صاحب المصنع الذي لم ير منه إلا كل خير…

كواليس مصنع الملابس في فيتنام

كواليس مصنع الملابس في فيتنام

جلس ياسين العربي مع صاحب المصنع (والذي كان في حالة اكتئاب حاد) ليخبره أن الحل الوحيد أن يستمر المصنع في العمل مع محاولة ضخ استثمارات جديدة أو بيع المصنع لمشتر يجد فيه فرصة استثمارية…

أما توقف المصنع فمعناه الحجز عليه والتحفظ علي صاحبه حتى سداد كل الديون وفقا للقانون في فيتنام.

وافق صاحب المصنع على هذا الاقتراح، على أن يتولى ياسين التنفيذ بمساعدة صاحب المصنع.

الصراحة راحة

اجتمع ياسين مع 174 دائنا من الموردين، وأخبرهم بكل صراحة أن مجلس إدارة المصنع بالكامل هرب خارج فيتنام…

وأخبرهم كذلك أن خزينة المصنع خاوية تماما…

وأوضح لهم أنه لا امل في سداد مستحقاتهم بدون استكمالهم لأوامر التوريد وأن ما سيتم توريده منهم سيدفع ثمنه نقدا –كاش- ومع عائد المبيعات سيتم تسديد المديونية شيئا فشيئا.

بعد مصارحة الدائنين، جاء وقت الحاجة لزيادة المبيعات وبسرعة والحصول على أوامر تصنيع وطلبيات شراء…

لزيادة انتاج المصنع، لجأ ياسين لأخذ طلبيات من الباطن (أي لحساب مصانع أخري وليس من العميل مباشرة) بهدف ربح بعض المال لسداد الضروريات خاصة رواتب العاملين… لتحقيق ذلك، كان على ياسين أن يكون فريق مبيعات محترف ومجتهد، يبحثون عن عملاء في كل مكان وفي كل معرض وفي كل البلاد.

وقتها، كان عمال المصنع يأتون كل يوم متوقعين أن يكون آخر يوم عمل لهم وكانت المعنويات متدهورة للغاية…

لرفع معنويات العاملين، قام ياسين بإعادة دهان حوائط المصنع بألوان مبهجة الأمر الذي أثبت جدواه إذ جعل العمال يتساءلون إذا كان المصنع سيغلق أبوابه فلماذا يجددونه؟ حتما المصنع مستمر في العمل.

ياسين العربي يرحب بنا في المصنع

ياسين العربي يرحب بنا في المصنع

بفضل جهود ياسين العربي وصاحب المصنع لزيادة الانتاج، حصل المصنع علي عقد بمليون دولار من عميل خارجي والذي قام بتحويل المال إلى البنك…

غباء البنوك

… إلا أن البنك خصم كامل قيمة المبلغ من مديونية المصنع ورفض صرف أي سنت، ساعتها كان وقت صرف الرواتب الشهرية للعاملين ومستحقات بقيمة 200 ألف دولار…

هذا القرار جعل الرواتب تتأخر ما أدى لتذمر العاملين وغضب الموردين الذي قام بعضهم بالذهاب إلى المصنع وغلق مدخله بسياراتهم وإلقاء الحجارة على زجاج النوافذ (النصيحة هنا لا تختبر حلم وصبر أهل فيتنام).

اتصل ياسين بمدير البنك وأخبره بالموقف الحالي وطلب منه المساعدة بأن يصرف له 200 ألف دولار ويبقي بقية المبلغ عنده ضمانا لمستحقات البنك…

إلا أن مدير البنك رفض ذلك الطلب…

كان الموقف عصيبا للغاية ويحتاج للدهاء والحكمة…

لنزع فتيل الأزمة، خرج ياسين من مكتبه وأخبر العاملين والموردين أن البنك سيصرف غدا مستحقاتهم كاملة وعليه فلا داعي لاستمرار الاحتجاجات…

البحث عن حيلة

لم تنم عينا ياسين في هذه الليلة، إذ كان بحاجة للوصول إلى حل لهذه المشكلة التي قد تقضي على المصنع وصاحبه والعاملين فيه…

لجأ ياسين إلى الحيلة، إذ في صباح اليوم التالي وقبل بدء العمل، أرسل رسالة لمدير البنك يخبره أن هناك 4 أتوبيسات / حافلات تقل موظفي المصنع متجهين للبنك للاعتصام أمامه إذا لم يحصلوا على رواتبهم، وأن المدير هو المسؤول عما قد يحدث بعدها إذا لم يحصل هؤلاء على رواتبهم…

انطلت الحيلة على مدير البنك الذي اتصل به يطلب مقابلته فورا وهو ما تم حيث وافق علي صرف المائتي ألف دولار فورا…

فقط للتوضيح، هذه الحيلة نصف كذبة ونصف حقيقة، كذبة لأنه لم تكن هناك وقتها أي حافلات تحمل أي موظفين ذاهبين إلى البنك للاعتصام، لكن عدم حصول هؤلاء العاملين على رواتبهم كان سينتج عنه عواقب وخيمة قد تنتهي بذهابهم إلى البنك وربما عمل مشاكل هناك…

استمر ياسين في حل المشكلة تلو الأخرى، وبنهاية عام 2014 كان المصنع قد سدد مليون ونصف دولار من ديونه، وبدأت الطلبات تزداد على إنتاج المصنع.

متابعة يومية لخط الانتاج في المصنع

متابعة يومية لخط الانتاج في المصنع

البحث عن مستثمرين

كان وتيرة التحسن بطيئة، وكان المصنع في حاجة إلى ضخ استثمارات طويلة الأجل، وعن طريق صديق له في دبي تمكن ياسين من عمل ثلاث مقابلات مع مستثمرين محتملين…

في أول مقابلة، ذهب ياسين في الموعد المحدد، وانتظر المستثمر الأول لمدة ساعة كاملة ليفاجئ باتصال من مدير أعماله يعتذر لوقوع حادث سيارة للمستثمر نقل علي أثرها للمستشفي. بعدها زاره ياسين في المستشفى وحمل له باقة ورود وتمني له تمام الصحة والعافية.

في بدايتها، كانت مقابلة المستثمر الثاني ايجابية وطلب منه ياسين 3 مليون دولار مقابل حصة 50% في المصنع إلا أن المستثمر رد عليه بأن ما يستطيع ضخه وقتها هو 250 ألف دولار فقط، فاعتذر له ياسين بان مثل هذا المبلغ سيصرف في شهر واحد دون عائد ملموس.

المستثمر الثالث اعتذر بأن أقل استثمار يدخل به هو 50 مليون دولار وأنه لا يتعامل في الاستثمارات الصغيرة.

بعدها حاول ياسين مع البنوك التونسية والتي رفضت تمويل مصنع خارج تونس…

كما حاول صاحب المصنع البحث عن ممولين في بلده بلجيكا ولكن دون جدوى.

مجيء الفرج

رجع ياسين إلى فيتنام، ولم يكن هناك طلببات عمل إلا من عميل جديد لديه ماركة ملابس جينز خاصة به يبيعها في ألمانيا، وحدث أن طلب هذا العميل زيارة المصنع ليري بعينه كل خطوة من خطوات التصنيع بشكل عملي حيث أن شركته لديها خطط مستقبلية لإنشاء مصنع في فيتنام بدل من التصنيع لدى الغير.

وافق ياسين على زيارة العميل، واجتمع قبلها بالموظفين ليخبرهم أنه في الغد من يأتي مرتديا الزي الكامل وتعلو وجهه ابتسامة سيحصل على راتب يوم إضافي كمكافأة، وهو التحفيز الذي أتى ثماره فكان المصنع كامل العدد تظهر على العاملين فيه الروح المعنوية الإيجابية والهمة والنشاط والحيوية، وفي نهاية جولة العميل أبدى سعادته بسير العمل وأنه يتمني أن يكون هذا هو مصنعه المستقبلي وأن يعمل بذات الكفاءة خصوصا أن لديه طلبات سنوية ثابتة خاصة بمنتجه وهو بالضبط ما كان ياسين يتمني سماعه.

هنا اقترح عليه ياسين شراء أسهم في ملكية المصنع لتبدأ بعدها المفاوضات حيث سافر صاحب المصنع مع ياسين إلى مقر هذه الشركة وتم الاتفاق علي شراء كامل المصنع مقابل سداد كامل المديونية وتوفير طلبات سنوية ثابتة مع مبلغ مجزي لصاحب المصنع وتمت الصفقة.

إذا اشتريت جينز ليي من فيتنام فربما ياسين العربي هو من صنعه لك!

إذا اشتريت جينز ليي من فيتنام فربما ياسين العربي هو من صنعه لك!

كانت النهاية جيدة جدا لصاحب المصنع البلجيكي الذي كانت لديه استثمارات أخرى وأراد وضع نهاية سعيدة لاستثماره في فيتنام وكان يخشى من أي عواقب سيئة للمديونية الكبيرة للمصنع وكان يريد الحصول على مشتر يتكفل بكل شيء – وهو ما تحقق له…

أما ياسين فاستمر في وظيفته مع المال الجديد للمصنع، واستمر يعمل على تكبير حجم المصنع وزيادة مبيعاته وإنتاجه وأرباحه.

في عام 2014 كان حجم أعمال المصنع 4 مليون دولار سنويا، أما بنهاية 2017 فالرقم المتوقع هو 18 مليون دولار، وبدلا من تصنيع ملابس للعميل الألماني، أصبح المصنع ينتج للعديد من الماركات العالمية مثل:
LEE – ETCETERA – ESPRIT – TRUE RELIGION – NEUW – SABA – NEXT – CALIK – PERRY ELLIS – ROSNER.

وهنا حيث تنتهي قصة ياسين العربي لكني – مثلك – تملكني الفضول: كيف تعرف ضياء الدين على ياسين العربي ؟

عرضت سؤالي هذا على ضياء الدين والذي أخبرني التالي…

لماذا فيتنام ؟

في الحقيقة، فيتنام هي من اختارت ضياء ولم يخترها هو، كيف ذلك؟

وفقا لضياء، وفد وافد على تنزانيا يطلب شراء الكاجو، فدلوه على ضياء وأعطوه رقمه وتواصل معه هاتفيا واتفق على لقاءه فيما بعد…

إلا أن هذا الوافد سافر إلى كينيا المجاورة وترك حقيبة سفره على أساس أنه حتما سيعود إلى تنزانيا…

إلا أنه اضطر للعودة بعدها إلى فيتنام (من حيث أتى) وترك حقيبته وراءه، واتصل بضياء يطلب منه شحنها إليه مع تحمله لمصاريف الشحن.

بالفعل شحنها له ضياء إلا أنه رفض استرداد مصاريف الشحن من الرجل.

لرد الجميل، أرسل هذا الرجل فيزا زيارة عمل إلى ضياء ليأتي إلى فيتنام ويتعرف عليها وعلى الفرص الواعدة الحالية فيها…

وبعدها قرر ضياء افتتاح شركة له في فيتنام لكن هذه قصة أخرى.

كذلك أخبرني ضياء بأن فيتنام دولة زراعية في الأصل (وإن كانت تتحول الآن إلى صناعية)، تزرع ذات المحاصيل التي يتعامل فيها لكن في مواسم مختلفة، الأمر الذي سيفيد تجارته كثيرا.

تعرف ضياء في فيتنام على صديق لديه مطعم حلال، ومن حديثه معه أخبره عن ياسين العربي وحدث بعدها أن زار ضياء المصنع بنفسه وسمع القصة من فم ياسين، فكتبها وأرسلها إلى محدثكم مع الصور والذي نشرها لكم هنا بعد تعديلات بسيطة.

ياسين العربي و ضياء الدين في فيتنام

ياسين العربي و ضياء الدين في فيتنام

وهنا حيث تنتهي هذه التدوينة وليس القصة… التي أدعو الله أن نعود لتكملتها قريبا.

على الجانب:

  • يمكنك التواصل مع ضياء الدين عبر صفحته على فيسبوك لكن لا تتوقع ردا سريعا.
  • فيتنام نمر آسيوي سيكون له مستقبل واعد ربما أفضل من الصين ولذا لو تسنى لك احرص على زيارتها واغتنام الفرص الواعدة فيها.
  • على كل صاحب مال أن يراجع ويدقق في تفاصيل تجارته ولا يركن لرأي واحد.
  • تفاصيل هذه القصة هي كما وردتني من ضياء الدين وكما سمعها من صاحبها.
  • كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى. دعواتي لك بأن تكون العام المقبل على عرفات.

رابط كاتب المقال : صثقصثق

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *