هل نحن أمام احتلال لغوي؟!

أطل علينا قبل أيام أحد المثقفين الذين يمثلون النخبة في الجزائر، معبرًا عن رأيه في بعض قضايا الساحة الأدبية الجزائرية. ورغم اختلافي معه في كثير من الآراء والمواقف، إلا أن ما أدلى به الكاتب الجزائري رشيد بوجدرة للموقع الإخباري «كل شيء عن الجزائر» وتصريحه بأنه يعتزم العودة إلى الكتابة بالفرنسية مفضلًا ذلك على الكتابة باللغة العربية، ومعللًا ذلك بإعراض الجزائريين عن القراءة بالعربية مقارنة بالفرنسية، يجعل كل غيور على هذه اللغة الشريفة يدق ناقوس الخطر في محاولة لتدارك الوضع قبل فوات الأوان، وقبل أن يندم الجميع ولات حين مندم.

يتبادر إلى ذهنك وأنت تمارس حياتك العادية في أي منطقة من مناطق الجزائر الحبيبة؛ أنك أمام محاولة منظمة لاستبدال لغة بعينها بلغة أخرى بديلة. ورغم أن الأمر واضح بخصوص اللغة المراد استبدالها وهي اللغة العربية؛ لغة الهوية والتاريخ والذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية، إلا أن الأمر قد يكون – مع الأسف – أكثر وضوحًا بالنسبة للجزائريين إزاء اللغة المراد استبدالها بها، ألا وهي اللغة الفرنسية؛ لغة موليير وفكتور هوغو أدبيًا، ولغة شارل ديغول «المجرم» بالنسبة للجزائريين الأحرار؟! إن الصراع في الجزائر بين اللغة العربية الأصيلة والفرنسية الدخيلة لم يعد صراعًا خفيًا؛ لكنه يخرج للعلن يومًا بعد يوم!

لقد بات المواطن الجزائري العادي يعيش حالة من «اللا-لغة» في وطن ودولة يصرح دستورها في مواده الأولى بأن: اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وهو الوطن نفسه الذي يصر مسؤولوه – وهم القدوة لو كانوا يعقلون – على مخاطبة الشعب بغير لغته؟!

إن الأمر قد يكون مقبولًا غالبًا لو اختار المسؤولون مخاطبة الشعب بالعامية مثلًا، أو حتى بالأمازيغية وهي اللغة الرسمية الثانية حسب دستور البلاد، ولغة الأقلية من الأمازيغ؛ الذين كانت لهم مساهمة كبيرة في تحرير الجزائر من الاستعمار الغاشم. بل إن الأمر قد يكون مقبولًا حتمًا لو خاطب بعض المسؤولين الشعب باللغة الإنجليزية أيضًا على اعتبار أنها اللغة الأوسع انتشارًا في العالم ولغة العلم والتكنولوجيا… إلخ. لكن الواقع في الجزائر أصبح أكثر بؤسًا حينما يصر الجميع – إلا من رحم الله – على استبدال لغة القرآن الكريم بلغة كانت بالأمس القريب غريمًا شديد البأس، وها هو هذا الغريم اليوم يبسط سيطرته المطلقة على جميع مظاهر الحياة في البلاد بفضل الحملة المنظمة التي خطط لها مستعمر الأمس، ونفذها زبانيته المخلصون، بل وأبناء الوطن؛ شعروا أم لم يشعروا!

إن نظرة خاطفة على أهم مظاهر الحياة في الجزائر لتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أننا اليوم أمام احتلال من نوع آخر؛ احتلال لا يتعلق بشبر من تراب، ولا جزء من ساحل، ولا نهب خيرات؛ ولكنه احتلال تحاول فيه لغة دخيلة أن تزيح لغة هي أشرف منها مهما تعددت الموازين؟! فجل معي إن شئت في أي شارع من شوارع البلاد، واقرأ معي بأسف ما تحمله عشرات اللافتات على جوانب الطرقات، ومداخل المحلات…، ثم رافقني إن شئت إلى أي مؤسسة من مؤسسات الدولة الرسمية: الوزارات والإدارات والجامعات والمستشفيات، وطالع معي بخزي ما يستخرجه الجزائري من وثائق إدارية: ما اللغة التي سودت بياض تلك الوثائق؟! وإن رمت مزيدًا من العار والشنار فتابع معي بعض برامج التلفزيون العمومي والخاص على السواء؛ وابك معي إن شئت على حال لغة هجرها الأهل، وتخلى عنها الأبناء، وتنكر لها جيل، وتاه عنها الجميع.

إن وطنًا أنجب عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، ومحمد العيد آل خليفة، ومفدي زكريا، وغيرهم من قامات اللغة والأدب العربي في الجزائر؛ لمؤسف ما يجري فيه من إهانات متتابعة للغة العربية. أيعقل مثلًا أن يفضل أغلب الجزائريين التخاطب في ساحات التواصل الاجتماعي بالفرنسية بدل العربية؟! أيعقل أن يعدوا التخاطب بالعربية تخلفًا ورجعية، والتخاطب بلغة موليير تقدمًا ورقيًا؟! بل أيعقل أن يتكلم السفير الأجنبي باللغة العربية ثم يقف حيران مستغربًا من فعل المسؤول الجزائري وهو يصر على الحديث بالفرنسية؟! وكأن لسان حال ذلك السفير يقول: إن من الحمق فنونًا!

أخيرًا وليس آخرًا أقول: لا يكفي الأسف على حال العربية في الجزائر، بل لا بد على كل ابن بار فيها أن يقوم بواجبه كاملًا أمام هذه الأمانة فيحفظها ويرفع راية الجهاد في سبيلها عاليًا معلنًا إخلاصه ووفاءه لها، وواقفًا بصمود في وجه أي لغة تحاول أن تحل محلها أو تنافسها في عقر دارها.

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *