نسآء سودانيات رائدات في تاريخ السودان الحديث

هلال زاهر الساداتي

بموت المناضلة الأستاذة فاطمة احمد ابراهيم وانتقالها الي الرفيق الأعلي ، رأيت أن أنقل الي اجيالنا التي لم تعاصرها سيرة رائدة من رائدات الحركة النسائية في السودان وهي الدكتورة خالدة زاهر ، فوجدت بين اوراقي مقابلة معها أجرتها وحاورتها الصحفية نوال شنان ونشر في صحيفة الرأي الآخر اليومية بتاريخ 14يناير2000 العدد 1086 ، فالي الحوار ، وقد بدأته بمقدمة كتبت فيها : استطاعت المرأة السودانية وعقب الحقب المختلفة أن تبرز وجودها وتبدع في جميع المجالات بلا استثنآء ، لقد خلد التاريخ الكثير من النسآء منذ مهيرة الكنانية مرورا” بجميع الحقب التاريخية . الرأي الآخر تفتح ملف الرائدات في السودان وبدأنا بأول طبيبة سودانية وسوف تتوالي بأذن الله الخالدات فالي مضابط الحوار مع الدكتورة الرائدة خالدة زاهر

الكثيرون يعرفون خالدة زاهر كأول طبيبة سودانية لكن في المقابل يجهلون الكثير عنك أين ولدت وكيف نشأت فحدثينا عن ذلك ؟

من مواليد امدرمان ونشأت اسرتي من الأجداد في العاصمة الوطنية امدرمان وتلقيت دراستي الأولية بمدارس الأرسالية بامدرمان والثانوية بمدرسة اليونتي العليا بالخرطوم ومن ثم جامعة الخرطوم في 1946 والتي تخرجت فيها في 1952 وتزوجت أثناء دراستي الجامعية من الأستاذ عثمان محجوب الذي توفي في 1988 ولدي ولدان وبنتان وكلهم خارج السودان .

_ دخولك للحقل الطبي وكيفية اجتيازك للصعاب التي واجهتك وكسر الحاجز الأجتماعي السائد في تلك الفترة وهي فترة الاستعمار خاصة وأن النظرة للتعليم عامة وتعليم المرأة خاصة لا يلقي القبول ؟

الي حد ما نشات في أسرة متعلمة بمقاييس ذلك الزمن وحتي عندما دخلت المدرسة الأولية وهي مدرسة الأرسالية كان جدي يصر علي ذهابي للخلوة في فترة الأجازة حتي يحدث توازن بين نوعين من التعليم فقد شاع في تلك الفترة ان مدارس الأرسالية تعمل علي تنصير الفتيات في فترة الدراسة الأولية ، لم أجد اعتراضا” من الأسرة بل حدث ذلك بعد دخولي للثانوي حيث كانت الدراسة في الخرطوم في مدرسة اليونتي ( الأتحاد ) وقد اعترض بعض الأهل لأنهم رأوا ان المسافة بعيدة من امدرمان وهذا الاعتراض شيء طبيعي لأن كل جديد لازم يجد الأعتراض لأن التقاليد كانت تحرم علي الفتاة الخروج ولكن الأعتراض القوي كان عند ما اردت الدخول للجامعة وهنا أصر والدي علي ذهابي للجامعة وكذلك والدتي وتدخلت زوجة الحاكم العام ودخلت الجامعة كأول طبيبة سودانية .

.. هل كان توجد طالبات غيرك في الجامعة ؟    سودانيات لا توجد لكن هناك أرمنية معي في الطب وثلاثة قبطيات في كلية الاداب منهن الأستاذة أنجيل اسحق أي كنا خمس طالبات فقط

.. خلال فترة تواجدك في الجامعة ما هي النشاطات السياسية التي كنت تمارسينها ؟

طبعا كانت فترة استعمار وبدايات ظهور الحركة الوطنية وفي 1946 خرجنا في مظاهرات من الجامعة منددين بالاستعمار ووقفنا ضد معاهدة صدقي بك ، وكل تحركاتنا كانت سياسية واستمريت امارس الأنشطة السياسية من خلال الأتحاد الذي كنت عضوة فيه ولم يجد نشاطي السياسي أي اعتراض من الوالد ( رحمه الله ) ولقد أعتقلت مرتين الأولي في عام 1948 عندما اقيمت ندوة سياسية حزبية ضد الجمعية التشريعية ، والمرة الثانية كانت مظاهرة طلابية  في عام 1949 والمظاهرة خرجت بعد أن القيت كلمة وعلي أثرها خرجت مظاهرة طلابية قوية وبعد اعتقالي جاء جدي واخرجني من المعتقل ، وكذلك حدث اعتقال مرة أخري عندما كنت في هيئة السلام ولكن برئت فيها ومن سياق استمراري في  العمل السياسي كونت ومعي فاطمة طالب ما يعرف برابطة الفتاة الثقافية في عام1947وكان اول بند فيها بث الوعي الوطني بين النسآء وتقريبا” كانت أول تكوين نسائي سوداني وكانت مؤيدة بالفكر السياسي التقدمي ثم تقلص نشاطها بعد انشغال عضواتها بحياتهن الخاصة  ومن ثم جاء تكوين الأتحاد النسائي  ..

ما هو الدور الذي لعبته الحركة النسوية واننا نعرفك من رائداتها ؟

بدأت تكوين الأتحاد النسائي من مجموعة من الشابات وتمت الدعوة في منزل الأستاذة عزيزة مكي وكنا عشر عضوات فقط لكن قبل ذلك كان هناك اتحاد نقابي من المعلمات ومطالبه نقابية صرفة ، أما الاتحاد النسائي فقد كانت رئيسة له الأستاذة فاطمة طالب وأول سكرتيرة له الأستاذة نفيسة احمد الأمين وقد طرح مفاهيم متقدمة حتي بمفاهيم اليوم وقد كنا حركة واعية ودعمنا أنفسنا بأنفسنا والعمل في الأتحاد كان تطوعي وفتحنا عددا” من المدارس ومن ضمن المتطوعات الاستاذات سعاد ابراهيم عيسي والأستاذة فريدة زاهر والأستاذة ثريا الدرديري ،وحتي نكون في استقلال تام كنا نقيم اسابيع المرأة والأسواق الخيرية حتي نستطيع الصرف علي المدارس وكان هذا مجهود كبير مع العلم بأن غالبية العضوات صغيرات في السن اما المتزوجات فكان يقع عليهن عبء القيام بكل النشاطات الخارجية ..

كما ذكرتي دكتورة خالدة انك تزوجتي وانت طالبة فكيف استطعتي التوفيق بين حياتك الأسرية وحياتك العامة ؟

لم اجد صعوبة في التوفيق لأنني بعد زواجي عشت مع اسرتي فكانت كل المسئولية علي والدتي وحتي بعد انجبت ابني الأكبر تحملت مسئوليته والدتي ومن ثم انتقلت لمسكن خاص لكن كان قريبا” من مسكن اسرتي وكان زوجي رجلا” متفهما” لوضعي وكان متعاونا” واعتقد بانه سابق علي ابنآء جيله …

_ دكتورة خالدة كيف تقبل الطلبة وجودك بينهم في الفترة الجامعية ؟

أكيد في البداية كان الطلبة مندهشين لكن تقبلوا وجودنا بصدر رحب ووجدنا منهم كل التعاون بل كنا نلعب معا” التنس والمنافسة بيننا في قاعات الدراسة كانت شريفة ولم نتعرض لأي مضايقات حتي الطلبة أنفسهم لم تكن اعدادهم كبيرة في ذلك الوقت هل تنقلت اثنآء عملك في انحآء السودان أم أختصر عملك في الخرطوم ؟

تقريبا كان عملي مقصورا” في الخرطوم  في البداية عملت في عنبر الاطفال بمستشفي امدرمان ثم خيرني دكتور عبد الحليم من الأستمرار في عنبر الأطفال أو الأنتقال لعنبر الرجال خلفا” لزميلي دكتور ابوبكر فاخترت عنبر الرجال وكان لمدة ثلاثة اشهر ..

.. مداخلة  _ألم تجدي مضايقة في عنبر الرجال ؟  بل علي العكس وجدت القبول والرضي منهم كمعالجة وطبيبة بغض النظر عن المريض رجل أو امرأة ، أعود مرة أخري لسؤالك السابق عن الأماكن التي عملت بها ، أقول لك بأنني عملت  في مستشفي رمبيك فترة من الزمن وذلك لأن زوجي كان منقولا” لرمبيك وكان ذلك في أواخر 1954 واوائل 1955 ولفترة اربعة أشهر ثم حدث التمرد ولم أمكث في رمبيك كثيرا” لأن الطقس أضر بصحة زوجي فرجعنا للخرطوم  وعملت في مستشفي بحري ، لكن عندما عملت في الصحة المدرسية تجولت في في مختلف مناطق السودان وتجوالنا كان بالطائرة بالتضامن مع برنامج الغذآء العالمي لمعرفة طريقة تخزين الأغذية في المدارس وكيفية توزيعها علي الطلاب في داخليات المدارس لأن المدارس في ذلك الوقت كان يوجد بها داخليات .

… ما هي الدراسات التي نلتيها وكذلك ما هي الوظائف التي تقلدتيها ؟

نلت دبلوم من انجلترا ودبلوم اطفال من تشكوسلوفاكيا ، أما الوظائف التي تقلدتها فقد عملت مساعد ووكيل الصحة المدرسية وعملت بمجمع صحة الأطفال بامدرمان وكذلك عملت مديرة لصحة الأمومة والطفولة .

_ بمناسبة صحة الأمومة  والطفولة دار لغط كثير في الأشهر الماضية عن الصحة الأنجابية فما تعليقك ؟

أنني من المؤيدين لتنظيم الأسرة لكن ليس بالطريقة التي يريدها لنا الأمريكان ففي مؤتمر نيروبي قلت لأعضآء  الوفد الأمريكى انني لا أعترض علي تنظيم الأسرة ولكني ضد أن ترسلوا لنا الوسائل التي أثبتت ضررها عندكم وجاءت العواقب وخيمة لأن كثيرا” من وسائل تنظيم الأسرة تم ايقافها في أمريكا ولكن تطبق فينا نحن فيجب ان يتم تنظيم الأسرة بوسائل حديثة بما يعود بالفائدة علينا واعتقد اذا تنظيم الأسرة بدون اسباب وجيهة ففي هذا خطا كبير .

_ ما تقييمك لصحة الأمومة والطفولة الان مقارنة بما كان في الماضي ؟

من خلال ملاحظتي أن هناك عدم اهتمام بصحة الأم والطفل والوضع في حالة تدهور مستمر وهذا شئ مؤسف  لأن صحة الأم هي الدعامة الأساسية للأسرة وبالتالي للمجتمع ، أما في الماضي فقد كان الوضع مختلفا” تماما” عما يحدث الأن فقد كانة هناك اهتمام كبير بصحة الأم الحامل من اول يوم وتوجد رعاية مباشرة طوال فترة حملها ويتم كل ذلك بالمجان وحتي عندما تعاني من الأمراض اثناء فترة الحمل تجد المتابعة والعناية بل يشمل الاهتمام القابلات اللاتي يتم تدريبهن والاشراف المباشر عليهن وكان لدينا في السودان أرقي نظام للقابلات وارقي الخدمات الصحية المختلفة بل انه كانت تأتينا بعثات من كثير من الدول الأفريقية والعربية يتم تدريبها ، وكانت لدينا الزائرات الصحيات اللاتي يقمن بما يعرف بكشف الصندوق وهو مراجعة ما يوجد في صندوق القابلة لمعرفة النواقص حتي يتم اكمالها وتعاقب القابلة اذا لم تكن مهتمة وذلك بارجاعها للتدريب مرة أخري  .

_ نعلم انك شاركت في كثير من المؤتمرات الخارجية ، ما أبرز هذه المؤتمرات وما نظرة المجتمع العالمي لك كسودانية في فترة كان التعليم غير منتشر حتي علي نطاق العالم العربي ؟

مشاركاتي كانت كثيرة منها مؤتمرات طبية وبعضها نسائية ضمن الحركة النسوية وقد سافرت كثيرا” وأول مرة كانت في 1953 بعد تخرجي مباشرة في مؤتمر طبي في الهند وجاءت المشاركة بتكليف من قبل الأستعمار الذي كان في تلك الفترة يعاني من ضغوط شديدة من الحركة الوطنية ومشاركتي لم تكن تخلو من دعاية للاستعمار اراد بها أن يثبت للعالم بانه لا يقيد حريتنا أي مشاركتي كانت عبارة عن دعاية سياسية . _ _ دكتورة خالدة نجد انه رغم كثرة اعداد الطبيبات لكننا لا نجد لهن أثر في الحياة العامة  ماقولك؟ حصل تطور كبير في التعليم بالنسبة للفتاة وفي هذا تحسن كبير واوافقك علي أن الطبيبات السودانيات لا يتركن بصمة علي الحياة العامة والحركة النسائية بصفة خاصة وهن أكاديميات في المكان الأول  وهذا وضع خاطئ ،  في زمننا ورغم عدم انتشار التعليم لكننا تركنا اثرا” لا يمحي من ذاكرة الشعب السوداني واردنا أن نثبت وجودنا ، لكن الان أجد قصورا” من الطبيبات ولا اعرف السبب في ذلك وحتي عندما قررنا ومعي بعض الطبيبات الشابات عقد اجتماعات فشلنا في ذلك وفي ذلك فشل ذريع ومؤسف .

_ ـ المحاليل الوريدية الفاسدة _ الديوكسين _ البولمير وغير ذلك ـ هل سمعت اللغط الدائر حولها وما رأيك في التردي الذي وصلت اليه الصحة في المستشفيات ؟ هذا شئ مؤسف وتلاعب بارواح الناس ولكنني خلال هذه الأحداث كنت خارج السودان ولكننا سمعنا به واعتقد ان هذا خطر جسيم ويجب الا يترك الامر يمر دون محاسبة وعقاب رادع وما يحدث في المستشفيات الان قصور واهمال يجب ان نقف عندها ونعالجها ونراقب ما يحدث والا اأنفلت زمام الأمور أكثر من ىذلك .

_ أخيرا” دكتورة خالدة أين أنت الأن ولماذا الأبتعاد عن الأجهزة الأعلامية ؟

بعد المعاش في 1986 كنت اعاني صحيأ” ، لكن خلال الفترة الأخيرة من عهد نميري كان لي نشاط سياسي لكنه نشاط سري وفي عام 1985شاركت في المؤتمر النسائي  في نيروبي ونشاطي الأجتماعي مستمر وكونت جمعية ربات البيوت ولكن الان اصبح جل وقتي موزع بين ابنائي في الخارج كما ان مشاكلي الصحية تحول دون مواصلة النشاط ، أما ابتعادي عن الأجهزة الأعلامية اقول لك انني بطبيعتي لا اميل للظهور …

Share

التعليقات

( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

لا تتردد في ترك التعليق…

رابط كاتب المقال : اق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *