ناجي العلي.. في ذكرى رحيل الغائب الحاضر!

لست مهرجًا، ولست شاعر قبيلة. إنني أطرد عن قلبي مهمة لا تلبث أن تعود، ولكنها تكفي لتمنحني مبررًا لأن أحيا، أنا متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها. أنا لست محايدًا، أنا منحاز لمن هم تحت الذين يرزحون تحت نير الأكاذيب، وأطنان التضليلات، وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات. أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يقضون لياليهم في لبنان يشحذون السلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح، ولمن يقرؤون كتاب الوطن في المخيمات. (ناجي العلي)

في العام 1962 كان – في مخيم عين الحلوة الفلسطيني الواقع في جنوب لبنان – احتفال شعبي بمناسبه يوم فلسطين، حضرته مجموعة من القيادات الفلسطينية في لبنان، وكان على رأسهم غسان كنفاني، الذي عرف وقتها ككاتب قصه قصيره، وأحد محرري مجلة الحرية الناطقه باسم حركه القوميين العرب.

وكان من ضمن المهرجان إقامه معرض متواضع بسيط في خيمه مهترئه لأحد المهاجرين الفلسطينين لعرض صور الأطفال والصبية المعبرة عن النكبه والشتات والثأر، يمر كنفاني بين الصور، ويشاهد بتأمل، ثم يقف طويلًا أمام لوحه ملفتة ومتميزة، كانت تمثل خيمة على شكل هرم، ترتفع من رأسه قبضه تطالب بالثأر والتصميم والنصر، يسأل عن صاحب هذه اللوحة؛ فيرد من بجواره أنا: ناجي العلي، ومن هنا كانت البداية.

«أنا ناجي سليم حسين العلي، إنولدت وين إنولد المسيح – عليه السلام – بين الطبرية والناصرة بقرية الشجرة بالجليل الشمالي، طلعونا من هناك بعد عشر سنين بالـ48، وهجرونا لمخيم عين الحلوة بلبنان، باتذكر هاي السنين العشر بفلسطين أكثر ما بتذكر أي إشي تاني من عمري، لسة العجب والحجر والنور .. لساهم صور ثابتة بعيني».

«كنت صغيرًا لما وصلنا على عين الحلوة، وصلنا تعبانين وحافيين، سمعت وقتها الكبار بيحكوا عن الدول العربية، الإنجليز، المؤامرة، سمعت بليالي المخيم شهقات البكاء المكتوم، شفت الحزن بعيون أهلي، وكان عندي رغبة كبيرة إني أرسم هذا الحزن على حيطان المخيم كلها، إحساسي والوعي تاعي اتشكلوا بالمدرسة الابتدائية بعين الحلوة، كنا نستغل مناسبات مثل وعد بلفور أو 15 آيار للتعبير عن رغبتنا في إنا نرجع لفلسطين، علمني أستاذي كيف أرفع علم فلسطين وأحييه، عرفني مين أصدقاءنا وأعداءنا، كان دايمًا يقول لي: ارسم يا ناجي.. بس دايمًا ارسم عن الوطن».

«ضليت أرسم علي حيطان المخيم، شو كنت أرسم عن الوطن، شو كنت أشوف أشياء محبوسة بعيون الناس، وبعدين انتقلت رسوماتي لحيطان الجيش اللبناني، كنت أقضي بضيافتهم فترات دورية إجبارية، كانوا يقبضوا علينا بأي تهم، ويفرجوا بس لما يزهقوا من وجودنا بالمخيم».

حياته العملية

العمل الوحيد الذي بدأ ناجي يمارسه كان قطف الحمضيات، كالبرتقال والليمون من البيارات، وهذا العمل يعتبر من الأعمال ذات المردود المادي عديم الفائدة، لكنه بالكاد يسد الرمق، وعندما كان ناجي يعود إلى الخيمة مع غروب الشمس لم يكن هناك ما يشغله سوى الرسم، سواء على قماش الخيمة أو على خشب الصناديق التي يلتقطها أثناء عودته، وقد كانت هجمات الطيران الإسرائيلي على المخيم كرد على هجمات الفدائيين الفلسطينيين عاملًا من عوامل إنهاض العزيمة في نفس ناجي، وهي التي كانت تلهمه بالتعصب لشعبه وقضيته، ومما زاد من مداركه السياسية المبكرة انتشار التأييد من شباب المخيم لحركة القوميين العرب التي بدأت بالعمل منذ العام 1953، وأنشأت في المخيم أنصارًا لمنظمة شباب الثأر، وكانت تصدر نشرة الثأر.

والأمر الذي زاد من الألم في نفس ناجي أثناء تلك البدايات أنه لم يحصل على المستوى التعليمي الذي كان يتمناه، فقد كان يضطر في كثير من الأحيان إلى ترك مقاعد الدراسة للذهاب إلى عمله، لكنه تمكن في النهاية من الحصول على دبلوم في الميكانيكا من مدرسة مهنية في طرابلس شمال لبنان، ثم سافر عام 1957 في رحلة عمل إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل هناك ميكانيكي سيارات، وظل هناك حتى عام 1959؛ فعاد إلى لبنان بعد أن وفر بعض المال على أمل أن يسافر إلى مصر أو إيطاليا لدراسة فن الرسم، إلا أن ظروفه المعيشية حالت دون ذلك، فعمل معلم رسم للأطفال في المدرسة الشيعية الجعفرية، بمساعدة من الإمام الإيراني الأصل واللبناني الجنسية موسى الصدر لمدة ثلاث سنوات.

عمله في الكويت

سافر ناجي للعمل في مجلة الطليعة الكويتية في الكويت التي تنادي بشعار (حرية.. وحدة.. ثأر) وبدأ بنشر رسومه الكاريكاتيرية على صفحاتها، وظل ناجي مواظبًا على العمل في تلك المجلة حتى عام 1968، وهو العام الذي تلا تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش في (11/12/1967م) وقد شهدت الكويت عام 1968 موجة من الأحداث السياسية الساخنة قادتها تحركات المعارضة، وأقدمت الحكومة خلالها على ترحيل العديد من العرب العاملين في الصحف والمجلات الكويتية، إلا أن العلي غادر الكويت طوعًا خوفًا من أن تقوم الحكومة الكويتية بترحيله فلا يتمكن من العودة مره أخرى، فعاد إلى لبنان، وتزوج من السيدة ـ وداد نصر ـ وبعد أن هدأت التطورات السياسية في الكويت عاد إليها مرة أخرى، ولكن بصحبة زوجته هذه المرة، والشيء المميز أثناء عودة ناجي العلي من الكويت إلى لبنان أنه تعرف على العديد من عناصر الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح (قوات العاصفة)، واطلع على مجموع العمليات التي نفذتها ضد العدو الإسرائيلي، فألهبت هذه العمليات مشاعره الوطنية، وتميزت رسومه في تلك المرحلة بالمناداة للكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لاستعادة الأرض، وما زاد من عنفوان المشاعر الوطنية لديه انتصار حركة فتح في معركة الكرامة.

بعد عودة ناجي إلى الكويت سكن في حي الفروانية، وهو من الأحياء الفقيرة في الكويت، المستأجرون في الأغلب من الوافدين الفلسطينيين والأردنيين، وقد استأجر ناجي شقة مكونة من غرفة وصالة ومطبخ وحمام، بإيجار قدره عشرة دنانير؛ كي يوفر من راتبه بعض الدنانير لدعم أسرته في لبنان.

وفي تلك المرحلة نضجت مداركه السياسية لدرجة أصبح فيها متحدثًا صلبًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية بفضل إعجابه بالمصلح والمفكر المصري ـ خالد محمد خالد ـ الأستاذ لمنهج تاريخ الفكر الاقتصادي في الجامعة اللبنانية، وكان معارضًا لموالاة الرئيس كميل شمعون للغرب، ومن كبار المؤيدين للرئيس جمال عبد الناصر وللثورة الفلسطينية، كما توثقت علاقات ناجي مع الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي والصحافي الفلسطيني حنا مقبل، والروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور، وتحولت رسوماته إلى تأييد صريح للرئيس جمال عبد الناصر مستنهضًا الأمة العربية لإزالة آثار هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، وإعلان العداء لأمريكا.

حنظله

حنظلة، ذلك الاسم الذي اختاره العلي لرسمته الأشهر في تاريخ الكاريكاتور السياسي معبرًا فيها عن طفل لم ولن يكبر إلا برجوع فلسطين، يتحدث عنه ناجي فيقول:

إن حنظلة شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوة، ولن يغادرها أبدًا.. إنه الشاهد الأسطورة، وهذه هي الشخصية غير القابلة للموت.. ولدت لتحيا، وتحدت لتستمر، هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي، بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت إني قد أستمر به بعد موتي.

ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائمًا في العاشرة، ففي تلك السن غادرت الوطن، وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة، ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك.. قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه، إنه إستثناء لأن فقدان الوطن استثناء.. وستصبح الأمور طبيعية حين يعود للوطن.. لقد رسمته خلافًا لبعض الرسامين الذين يقومون برسم أنفسهم ويأخذون موقع البطل في رسوماتهم.. فالطفل يمثل موقفًا رمزيًا، ليس بالنسبة لي فقط، بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي وأعيش مثلها، قدمته للقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة، في البداية قدمته كطفل فلسطيني، لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي، ثم أفق كوني إنساني.

أما عن سبب إدارة ظهره للقراء فتلك قصة تروى: في المراحل الأولى رسمته ملتقيًا وجهًا لوجه مع الناس، وكان يحمل الكلاشنكوف، وكان أيضًا دائم الحركة، وفاعلًا، وله دور حقيقي: يناقش باللغة العربية والإنجليزية، بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكاراتيه، يغني ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة.

وفي بعض الحالات النادرة، وأثناء انتفاضة الضفة الغربية، كان يحمل الحجارة ويرجم بها الأعداء، وأثناء خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت كان يقبل يد هذه المدينة الجريحة مثلما كان يقدم الزهور لها.

المرأة كالرجل حاضرة دائمًا في رؤية ناجي المركزية للصراع بين الأمة العربية وأعدائها، فهي لا تغيب ضمن شخوص كاريكاتور ناجي في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة، وهي ليست فاطمة العربية الفلسطينية فحسب، بل تتعدى ذلك عندما يصور ناجي الوطن أو الشعب أو الأرض أو المخيم… إلخ بامرأة، فالمرأة هي فلسطين، وهي مصر، وهي لبنان، وهي عين الحلوة وصبرا وصيدا والجنوب والانتفاضة في الأراضي العربية المحتلة.

كل ذلك للدلالة على العطاء والحب والتضحية، فها هي فلسطين إمرأة حبلى لحد الانفجار، ملقاة فوق أرض الصخرة المشرفة مقيدة القدمين بأنبوبة نفط.

وبيروت تلك المرأة التي تودع المغادرين إلى المنافي، تقف على الشاطئ دامعة العينين، جريحة، متكئة على عصا بسبب إصابتها، ملوحة بالكوفية الفلسطينية لمن أحبتهم وتوحدت معهم في الألم والمعاناة والبطولة.

فعين الحلوة، تلك المرأة الشامخة برأسها، بينما تتساقط دموعها متحولة إلى قذائف في وجه المحتل الصهيوني.

وصبرا المرأة الحبلى الواقفة بتحد فوق الدمار وآثار المجزرة تصرخ في وجه الجندي الصهيوني: صبرا بينما تظهر الملابس لزوجها الشهيد.

أما مصر، تلك الفتاة الجميلة الرافعة علم فلسطين عاليًا متحدية كل الظروف، هي مصر أم الدنيا، وهي مصر التي يزين شعرها وردة دامعة، بينما تحتل القضبان وحبال المشانق عينيها، وسط أرضية لوحة تزينها كوفية فلسطينية منقطة بالقلوب كتب عليها تعيشي.. والله يجبر بخاطرك.

هذه هي المرأة في فن ناجي العلي.. أما الشخصية الأساسية الثابتة للمرأة في رسوم ناجي العلي فهي فاطمة الفلسطينية المكافحة، فاطمة العربية الصابرة المثابرة.

فاطمة

فاطمة ذات الإزار الطويل والمنديل والوجه المستدير الطيب والعينين السوداوين الشرقيتين، هي الرمز، رمز العربيات المناضلات بكافة أشكال النضال، هي أولا المرأة الولادة المعطاءة التي تشبه خصوبتها خصوبة الأرض، وعطاءها ترفد بالمناضلين والمبدعين، وهي أم الشهداء الذين سقطوا ولا زالوا يسقطون من أجل الوطن.

وهي ثانيًا المرأة الصلبة كصلابة حجرة الوطن، لا تلين لها قناة أمام شظف العيش ومحنة التشرد، تتجول حافية القدمين وهي باسمة دامعة محتضنة طفلها الرضيع الذي ترضعه حب الوطن ممزوجًا بحنانها وحبها وسط أكوام الركام والدمار ووسط أزيز القذائف والرصاص ليكبر ويحمل البندقية ويتابع الطريق الذي سبقه له أبناؤها الآخرون.. إنها تزرع فلسطين في دمائه مع كل جرعة رضاعة ومع كل لمسة حنان وكل كلمة حب، تدفع زوجها وأولادها إلى متابعة التحرير والاستشهاد،

وهي أيضًا فاطمة: التي تلعن أمريكا وسط بيوت الصفيح في مخيم عين الحلوة، بينما زوجها الرجل الطيب يحذرها بأن تتوقف حتى لا يتهموها بالشيوعية! والتي تترحم على يوري أندروبوف عند قراءة زوجها الرجل الطيب لخبر وفاته في الجريدة.

أدوار كثيرة ومتعددة ومختلفة لفاطمة في معظم لوحات ناجي العلي تختزل صبر ومعاناة المرأة الفلسطينية العربية المناضلة وعطاءها وصلابتها ووعيها وحضورها الدائم في مختلف المجالات ومشاركتها الإيجابية في الحوارات والمواقف.

الرجل الطيب

سمي الرجل الطيب لأنه بلا اسم ثابت محدد، فمرة يدعى العم عباس، ومرة أبو حسين، ومرة أبو إلياس، ومرة أبو جاسم، ومرة أبو حمد، ومرة مارون ومرة محمد… إلخ.

إنه صورة واحدة وشخصية واحدة لأسماء عديدة من مختلف أنحاء الوطن العربي، شخصية تعلن انتماءها ووفاءها للوطن والشعب والأمة، وتمقت وتدين الطوائف والطائفية والمذهبية، تمامًا كما ترفض الاعتراف بالحدود المصطنعة بين الأقطار العربية وتتمنى زوالها؛ لأنها تدفع من حريتها وكرامتها وحياتها بسبب هذه الحدود.

إنه الفلسطيني المشرد والمقهور والمناضل والمتعقل والمغدور والمقتول، وهو اللبناني المشرد في وطنه والفقير المكافح والقتيل، وهو المصري الكادح المحب لمصر والعروبة، وهو الخليجي والسوداني والعراقي والانتماء الوطني والوعي القومي.

هو بائع الخضار في سوق بيروت في ظل موجة تفجير السيارات، والجريح في الجنوب الذي جعل من ظهره لوحة لكلمة (صامدون)، بينما قدمه المصابة تحمل شارة النصر وهو متكئ على عكازيه، هو مارون ومحمد اللذان ينزرد حول رقبتيهما طوقان حديديان ينتهيان بسلسلة حديدية مشتركة تتدلى منها ميدالية تتوسط نجمة داوود السداسية.

هو القتيل مع أبناء المخيم في صبرا وشاتيلا نحو شاخصة ممنوع الوقوف.. وهو أيضًا أبو إلياس الذي رفض القتال مع الكتائب والجيش العميل في الشريط الحدودي في الجنوب، وهو الفدائي المحتج على تعدد التنظيمات بقوله: (ما بكفينا جماعة أبو فلان وجماعة أبو علان .. هذا اللي كان ناقص.. جماعة أبو حنيك).

إنه الشهيد في العديد من لوحات العلي الذي يتم اغتياله بسبب الشعارات الوطنية والقومية التي يكتبها ويصرخ بها، فمرة بالرصاص من الخلف، ومرة تحت المرساة الأمريكية التي تحطم الزورق المرموز به للخليج وتقتل الرجل الطيب الذي يظهر جزءا من جثته بارزًا مع الحطام، ومرة بالقصف الصهيوني وأخرى بالاقتتال الداخلي بين الطوائف والأحزاب المتعددة في لبنان.

إنه الجريح في العديد من اللوحات والذي يتلقى بجسده عدة رصاصات أو قطعًا أو الشظايا أو جلد السياط، ولا يغير مواقفه.. هو المعتقل في السجون الذي يتلقى التعذيب والضرب والإهانة ويرفض الإعتراف بالحدود المصطنعة.. هو المتظاهر الرافض دائمًا عبر اليافطة والإعلان والخطاب للوضع القائم.. والمتهكم على الخارجين على إرادة الوطن.. إنه الحزين الكئيب على فراق الشهداء، والصبور على المعاناة والألم.. وهو فوق كل ذلك الإنسان المقاوم الذي يحمل السلاح ويقاتل ويستشهد، وإضافة لكل الأدوار السابقة التي حملها العلي لهذا الرجل الطيب في لوحاته، فانه لا يغيب عنّا دوره الهام في إكمال صورة ومفارقات الحدث في اللوحة

هذا الرجل النحيل الجسم، الحافي القدمين، يرتفع بقامته الطويلة المرقعة الثياب ووجهه المهموم المقطب.. ليرمز للرجل العربي الفقير البسيط الطيب المكافح الذي لا يجيد اللف والدوران ولا يعرف الكذب والتملق.. ليرمز للمواطن العربي بحسه الوطني والقومي وإيمانه العميق بأمته وتاريخها وقضيتها المركزية معبرا عن ذلك الإيمان بالعديد من المواقف الشجاعة والتي يواجه بسببها علاوة على شقائه القائم السجن والتعذيب والنفي والقتل، ليرمز للمواطن العربي ليس بمعاناته وسجنه وموته، بل وبرفضه ونضاله وأمله.

الشخوص المتكرشة

هي شخوص أساسية في كاريكاتير العلي نجدها في مواقف متعددة لتعبر عن البعد الآخر غير الايجابي في الموضوع المطروح، وهي شخصيات تمثل البعد السياسي والحاكم، والتاجر، والانتهازي والمستغل.

ونجدها دائمًا شخصيات مترهلة، متكرشة، متسطحة الملامح بلا رقبة ولا أقدام (على الأغلب)، غبية، خالية من معاني الإدراك والوعي، جشعها يتوضح في بطونها والدوائر التي تشكلها.

إنها رمز لكل ما هو متعفن في حياتنا العربية عمومًا، ولعل ناجي برسمه تلك الشخصيات على هذه الصورة بدون رقبة ولا أقدام.. يريد أن يؤكد أنها شخصيات تنقصها ركائز الاستمرار؛ لأنها شخصيات طارئة وزوالها محتوم؛ كونها بلا جذور وبعيدة عن الأصالة الشعبية.

فالطقم الغربي وربطة العنق والبرنيطة والخمر والسيجار والتكنولوجيا والبيوت الفخمة والأثاث الفاخر، وتصنع الحديث والمجاملات والتملق والحفلات والسهرات الحمراء هي أهم ما يميز هذه الشخصيات، علاوة على فقدانها الكرامة، وجفاف عواطفها وبلادة حسها، وضيق أفقها، وإرادتها المسلوبة، وافتقارها للمضمون الإنساني الحقيقي.

وربما كان ذلك ما جعل العلي يصورها في صور تكاد تكون غريبة عن الصفات الآدمية الحقيقية في محاولة منه لنفي إنسانيتها وإبراز مضمونها اللانساني واللاخلاقي.

وفي كل الحالات نجد تلك الشخصيات حاقدة على حنظلة والرجل الطيب وفاطمة، ومساومة عليهم وعلى حقوقهم جميعًا.

وفي حالات أخرى نجدها تترصدهم لتغتالهم في اللحظة المناسبة، إنها شخصيات تكره الأرض والشجر، تكره الأطفال، تكره الفراشات والعصافير، وتمقت محاولات الاحتجاج فتحاول كتم الأفواه وتقييد الأطراف ومصادرة الحريات، كما تحاول حماية نفسها ولضمان استمرارها تستعين بما هو غريب عن بيئة حنظلة ورفاق دربه على حساب التاريخ والجغرافيا والأصالة والتراث والوطن والشعب… إلخ.

هي بالأحري شخصيات تحاول تلميع الغزو الثقافي الاستعماري وتشجع التبعية الاقتصادية وترعى الإقليمية وتغذي الطائفية… إلخ.

الاغتيال

يوم الأربعاء الموافق 22/7/1987 الساعه 5:13 ـ بتوقيت جرينتش ـ أوقف رسام الكاريكاتير الفلسطيني المعروف ناجي العلي سيارته على رصيف الجانب الأيمن لشارع إيفز بجنوب غرب لندن، ترجل منها بهدوء بعد أن جمع بعض الأوراق التي تحوي آخر رسومه الكاريكاتيرية، وتأبطها، ثم سار على مهل في اتجاه مكتب صحيفة القبس الدولية الكويتية لمالكها محمد جاسم الصقر الصحافي والبرلماني الكويتي المعروف، ولم يكن ناجي يعلم أن قاتلًا يترصده، وبالرغم من التهديدات التي تفوق المائة حسب ما كان يصرح دائمًا، والتي كانت تنذره بالعقاب على رسوماته، وتلقيه معلومات وافية بأن حياته في خطر نظرًا لأن الموساد الإسرائيلي قد جعله هدفًا، إلا أن العلي لم يتخذ لنفسه أية إجراءات للحماية، لإيمانه القدري وفقًا لمقولة: الحذر لا يمنع القدر، لذلك كان اقتناصه سهلًا، وما كاد العلي يقترب من مخزن بيتر جونز القريب من نقطة الاستهداف حتى اقترب منه القاتل الذي يرتدي سترة من الجينز، والذي وصفه الشهود بأنه ذو شعر أسود أشعث وكثيف، وعندما سار في موازاته أخرج مسدسه وأطلق الرصاص باتجاه رأس العلي، ثم لاذ بالفرار.

وقع ناجي العلي على الأرض مسربلًا بدمائه وبيده اليمنى مفاتيح سيارته ورسوم يومه تحت ذراعه الأيسر، وكان أول الواصلين إليه (اندريه مولر 27 عامًا) من حي بوتني، والذي كان يعمل في مخزن بيتر جونز القريب من مكان الاغتيال، حاول أندريه مولر إجراء الإسعافات الأولية بعدما شعر أن نبض ناجي العلي ما زال يؤكد أنه على قيد الحياة، وبعد بضع دقائق وصلت الشرطة وتم استدعاء سيارة إسعاف على وجه السرعة.

نقل ناجي إلى مستشفى القديس ستيفن، وهو خاضع لجهاز التنفس الاصطناعي، ثم جرى تحويله إلى مستشفى الصليب تشارنج، وأدخل إلى قسم جراحة الأعصاب، ثم أعيد مرة أخرى إلى مستشفى القديس ستيفن.

ظل ناجي العلي يصارع الموت حتى يوم السبت 29/8/1987 فانتقلت روحه إلى بارئها تمام الساعة الثانية فجرًا.

فارقنا ناجي العلي وفارق رسوماته لمؤخرات الحكام العارية، والرقع على قميص المواطن العربي والكوفية وبرميل النفط، والبندقية والريشة الدامعة، وفاطمة المتمردة وزوجها ابن الشعب بثيابه الرثة وأطرافه الغليظة وشاربيه وانكساره، وأصحاب الكروش ورسم الحاكم العربي يربت على كتف الجندي الإسرائيلي، ورسم الكاتب العربي رافعًا يديه تحت تهديد السلاح ومسددًا إصبعه الوسطى على شكل قلم إلى جنود الأنظمة، ورسم آثار الأقدام الحافية على الطريق الطويل، ورسم حنظلة ينزل العلم الإسرائيلي ويعلق مكانه العلم اللبناني، لقد فارقنا ناجي العلي وفارق كل هؤلاء، إلا أن ابنه الفكري حنظلة ظل رمزًا حيًا لكل ما كان يؤمن به العلي الذي حاول بعض الحاقدين على منظمة التحرير الفلسطينية والذين شربوا من دم شهداء الشعب الفلسطيني ركوب موجة المد الشعبي المؤيد لرسوماته، فأساءوا إليه شخصيًا، ووصموه بالإرهاب كما فعلت جماعة أبو نضال صبري البنا المأجورة، وعندما ادعى المنشقون عن الشرعية الفلسطينية أنه كان حليفهم، وما كان العلي حليفًا لأحد سوى وطنه فلسطين.

اليوم تمر الذكرى الثلاثون علي رحيل الرجل الذي رسم بحامض الفوسفور، مهندس المزاج العربي، الرسام الأشهر في تاريخ الكاريكاتير السياسي، أترى ماذا لو كان موجودًا الآن؟ ماذا لو رأى زمن الفلسطنيين الجدد وما هم عليه الآن؟ ماذا كان سيرسم عن الوضع الحالي. السلام عليك يا أبا خالد وعلى روحك الطيبه الطاهرة.

لقد نجوتَ بقدرةٍ من عارنا، وعلَوتَ للعلياءِ
إصعـدْ، فموطنك السّماءُ، وخلِّنا في الأرضِ، إن الأرضَ للجبناءِ

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *