مهلًا أيها الموت 

الموت من خمسة أحرف، لكن آلامه تفوق حمل خمسة أضرحة من الصخور على قلوبنا المتصدعة. حتى الآن لم يجدوا للموت تعريفًا، أهو كفن وسط القبور أم دمعة مصدرها القلوب؟ إن الموت كان عتمة وسط نور ضياء حياتي، وكان سوادًا وسط بياضها. الموت هو القادم الأخير الذي لا يمكننا منعه من القدوم، وهو الضيف الذي لا موعد له، فيطرق بابك بلا استئذان ولا ميعاد ولا يمكنك رده عن مبتغاه (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ)، ثم يأخذك ويمضي ليجمع المزيد من الأرواح الأخرى.

وهكذا كان الموت هو السارق الذي لم أتمكن من منعه من سرقتك مني. وبعد ارتياحي لأن هناك سندًا سأركن إليه وقت الصعاب وسأجده دائمًا وقت احتياجي له، وجدت طيف الموت يحلق حول رأسك على عجل لينقض عليك سارقًا منك روحك مبقيك جسدًا متصلبًا.

فمت بعيدًا عني نائيًا لا قريب لك بجوارك ووسط ظلمات الليل لم يكن من شهيد عليك سوى القمر، وهكذا رحلت بلا كلمة وداع رحلت بدون أن ألقي عليك نظرة الوداع الأخيرة، رحلت دون أن تهمس بوصيتك الأخيرة لي، أكان كثيرًا علي هذا العالم أن يسمح لي بثانية واحدة لا غير لأراك؟ أهكذا القدر يأخذك ويتركني لأكتبك بحبر مخلوط بدموعي؟

عندما أتاني خبر موتك شعرت وكأن روحي قد تكشفت للعوالم ثم تبعثرت، وقلبي وكأنه سقط إلى هاوية لا نهاية لها، وعبراتي هطلت مبللة طيات أكمامي ثم تساقطت على الأرض تسقيها الألم وتذيقها معنى الرثاء، ولساني انعقد وكلماتي تحشرجت وكأن الخرس أصابني، ووجهي التهب بجرح صنعه الموت، ثم انهارت قدماي وأسقطتاني على أرض لم أعد أشعر  بها، وكأنها لم يكن لها وجود يومًا ما، ثم شعرت أني انفصلت عن كل شيء وصار ما حولي.. فراغًا أسود.

ثم بكاك الجميع دموعًا من عيونهم إلا أنا، بكيتك دماءً من قلبي، أخرج الجميع أحزانهم في صورة دموع ثم ارتاحت نفوسهم ولم يمر عليهم ألم فقدك بعدها، إلا أنا! أبت أحزاني الخروج وتغذت على الآلام قلبي حتى استنفدت روحي وأذبلتها، وظل ألم فقدك يطاردني كظل يظهر بالليل أوضح منه بالنهار.

ووقت الدجى بعد أن أسدل الليل عتمته وانحجب عني ضوء القمر، وأمست عيني غيمة كانت تكتم ما بها من دموع وحانت ساعة إطلاقها، فصار كل جزء في جسدي وكل ذرة فيه تبكيك، أين اختفت ابتسامتي الصاخبة؟ أين وجهي البشوش؟ صار الآن مقلوبًا وشاحبًا بعين جفت من كثرة الدمع وفقدت بريقي يوم فقدت روحك.

كيف جعل الموت منك مجرد ذكريات أرثيها؟ كيف يجعلني كل يوم أتخيل أقدامك وهي تخطو أمام غرفتي؟ كيف له أن يحول يوم شرائك الكتب لي إلى خبر كان لتتركني هكذا وحيدة لا أدري ماذا أفعل؟ كيف له أن يحول أعيادي إلى أيام جوفاء لا طعم فيها؟، كم عيدا مضى منذ ذاك اليوم ومهما كان العيد مليئا بلحظات تكنى بالفرح أحسها مرة لا جمال فيها ولا معني لها، بل وكيف لي أن أتحمل ترادف يوم العيد مع يوم ذكراك؟ من أين لي بطاقة لتحمل ذلك، كيف للموت أن يتجرأ على فعل كل ذلك؟

قل لي أي ابتلاء هذا الذي أصابني بموتك؟ لا أدري أين الخلاص أأصبر وأتجلد على ابتلاء استحال على الجبال حمله فتنهار روحي لأن الآلآم فاقت الجبال؟ لكم تمنيت أن يكون ذلك اليوم مجرد كابوس لا يقظة منه، ولا تزال تراودني هذه الفكرة لكن أيمكن لكابوس أن يظل عامين من الزمن؟!

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *