الرئيسية » النوبة » قراءة الموضوع

محاولات تصفية القضية النوبية ستقودنا لتقرير المصير

2017-08-27 14:09 603 0 تعليق

“إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين، لا أن نغير القضية”
المقولة أعلاه للراحل غسان كنفانى، وكأنه فصلها تفصيلاً لكى تطابق واقعنا الآن، فحتى وقت قريب كانت القضية النوبية – رغم مرارات التفريط فى حلفا – محصورة فى شقين: ثقافى وتنموي. إذ كانت تتضمن مطالب خجولة تطرح لماماً قبل أن تشتعل ثورة المهمشين في أركان السودان الأربعة وترفع عن القضية النوبية الحرج !!!!
لقد كان عدو القضية النوبية الأول منذ الاستقلال، وما يزال، هو التهميش المتعمد للإنسان، وتاريخه، وأرضه. ولأنهم سبقوا الآخرين في مضمون ثقافة العمل الجماعي التي أنسلت منها أفكار منظمات المجتع المدني الآن، شيد النوبيون عن طريق العون الذاتى المدارس والشفخانات والمشاريع الزراعية منذ أيام الاستعمار، ولكن صار التهميش بعدها مضاعفاً بأيلولة تلك المؤسسات للحكومة السودانية.
إن ما يحسب للقضية النوبية أنها فى كافة مراحل تطورها ظلت متسقة مع الهم القومى والبناء الوطنى وتغاضت عن الافتئات الشرس على حقوق النوبيين فى أحايين، ويعود ذلك إلى العقيدة الراسخة عند النوبيين التى تضع حدود النوبة الى ما وراء سنار، علاوة على أن النوبيين ظلوا على الدوام سدنة التاريخ النوبى الكوشى، وبالأحرى يعد التاريخ أحد الأعمدة الهيكلية الرئيسة فى هويتهم. ورغم أن النشاط الثقافى الذى فجره طلاب الجامعات منذ السبعينات قد جدد الدماء فى شرايين القضية إلا أن المدافعين عن القضية النوبية أخفقوا فى مسائل رئيسية يتطلبها الإحياء الثقافى أو صون الهوية.
لقد لاحظنا على سبيل المثال تجاهل مسألة التعليم باللغة النوبية ناهيك عن المطالبة باعتماد اللغة النوبية كاحدى اللغات الرسمية بالبلاد. ذلك فى وقت كانت وزارة التربية والتعليم قائمة على سواعد النوبيين وأكتافهم. ولا يدرى المرء كيف سيكون رد فعل توفيق أحمد سليمان ورفاقه إذا قاموا من مراقدهم ورأوا محو الأبجدية النوبية ينفذ طوعا وعلى نطاق واسع بين النوبيين كبيرهم وصغيرهم فى أيامنا هذى ؟!
لكن يحمد للرواد المدافعين عن القضية النوبية أنهم حاولوا ولو بمجهودات فردية تقوية ظهر المنطقة، الأمر الذى ساعد على الاستقرار إلى حد ما، قبل أن تبدأ الهرولة الجماعية إلى خارج المنطقة النوبية فى عقد التسعينات. وقد ضربتها اى المنطقة وأفرغتها موجات الهجرة القسرية التي أدت إلى إضعاف القضية النوبية بلا ريب.
وعلى طريقة الفلاش باك كان المشهد النوبى حتى النصف الثانى من الثمانينات عبارة عن أوراق مبعثرة تسيطر عليها بفهم وإدراك اللجنة الشعبية للتكامل والتعمير برئاسة الراحل محمد توفيق أحمد، وفى ذلك الوقت صار النادى النوبى الجديد معقلا للقضية النوبية. بل إن مجلس أمنائه الذى كان يضم كفاءات وشخصيات رفيعة كان بمثابة حكومة تكنوقراط،. لو قدر لها أن تسوس البلاد لأسبغت على السودان المريض العافية ونقلته إلى مصاف الدول المستقرة والمكتفية ذاتيا.
بمعنى آخر كانت القضية النوبية واضحة المعالم فيما ظل المدافعون عنها من غبش وأفندية يعملون بوضوح من أجل رفع التهميش عن النوبة وإنسانها بدون حاجة لتغيير القضية او تغيير العدو، وحتى شعارات الوحدة النوبية كان يتم الدفاع عنها بصلابة. ويذكر الناس أن الراحل محمد توفيق احمد هرول مذعوراً نحو منصة الاحتفال أثناء حفل افتتاح النادى النوبى لكى يقول فى غضب: “لقد كبا محمد وردى فى هذه الليلة ولكل جواد كبوة .. ليس هناك فرق بين صايوكى وصرصوكى ولا بين محسوكى وحلفوكى..” ردا على حديث عفوى لفنان الشعب حول أى المناطق النوبية تسبق إخواتها فى العلم والسياسة والفن، ذكره قبيل تقديم غنائه العذب فى حفل الافتتاح و بمعنى آخر : أن وحدة الهدف كانت واضحة والعدو كان محدداً تحديداً قاطعاً.
وأذكر أن الراحل العظيم محمد صالح إبراهيم نائب دائرتنا طلب منى تكثيف الدعوة للزملاء ياسر عبد الفتاح وزكريا حامد ومريم محمد عثمان ونوبيى وكالة سونا لكى ننشط مع مجموعة من الأهل من أجل خلق لجنة تساعده فى متابعة جهوده من أجل جلب الخدمات للمنطقة، وأذكر أن الاجتماع الرئيسى قد انعقد فى النادى النوبى بالخرطوم وكان الفرعون محمد وردى من المنظرين الذين نسجوا فرشة عمل اللجنة. وقد كنا قبلها بأيام شاهدنا محمد صالح يقود بنفسه إصلاح طريق حلفا ـ عبرى ـ دلقو، الأمر الذى سهل على أهلنا السفر بعد سنين الوعثاء والمشقة ووفر زمناً لعباس بيبس ودهب تينا وعوض محمد عيسى وغيرهم من سائقى لوارى الخط.
وفى الطريق اليومى بين البرلمان ودار صحيفتنا داخل عربته قال لى محمد صالح ابراهيم يوماً بحزن إنه فوجىء بمنافسه السابق فى انتخابات الدائرة 58 محمد عباس فقيرى يقول له داخل مبانى وزارة الصحة إنه لن يسمح له بحصد الانتصارات، وأنه أى فقيرى سيتولى مسئولية جلب الخدمات للمحس. والشى بالشئ يذكر طلب منى محمد صالح ابراهيم أيضاً أن أنشر له تصريحاً ملتهباً عندما اعتقل المصريون صيادى وادى حلفا ومنعوهم من الصيد فى بحيرة النوبة. وبالفعل نشرت له مانشيتا يقول : نائب حلفا يقود مسيرة شعبية غاضبة الى الحدود المصرية ، دعك من المعاناة التى كابدها نائبنا إبان تواجده الدائم فى وادى حلفا لإغاثة منكوبى فيضانات 1988.
وينبغى ألا ننسى أن الجانب الآخر من المشهد النوبى كان يحتله الطلاب بجدارة آنذاك بنشاطهم الدؤوب الذى حقق للقضية قفزات تاريخية سواء فى العاصمة أو فى المنطقة النوبية، محققين نجاحات عظيمة فى خدمة قضايا أهلهم وعلى سبيل المثال نجحوا في إقامة مؤتمر لتطوير التعليم فى دلقو وأظن أن رابطة جامعة القاهرة الفرع بقيادة فخر الدين ساتى ودورته كانت صاحبة هذا السبق.
والحق أن حقبة الثمانينات طوت أوراقها فى ظل انخراط النخب النوبية باعتدال فى مواجهة التحديات التى لم تعكر المزاج النوبى رغم جسامتها. وقد يكون الوجود النوبى الكثيف فى الخدمة العامة انذاك سبباً فى توافر الطمأنينة المدنية إذا جاز التعبير و تهدئة الموار وتأجيل الثورة على التهميش تبعا له وفى ذلك الوقت كأنوا يحكون عن الدهشة التى تملكت الصحافى العربى الكبير الذى زار الخرطوم عقب الإطاحة بنميرى لما سأل عن افضل كاتب وأفضل فنان وأفضل مؤرخ وافضل اقتصادى الخ بالبلاد وجاءه الرد بأنهم جميعا من نوبة الشمال !!!
ابتدر الإخوان عداءهم للنوبة بتحطيم الاقتصاد النوبى المتمثل فى هدم التعاونيات العملاقة فى حلفا الجديدة والسكوت والمحس وإفقار النوبيين بقتل سوق البلح الذي يمثل محصولهم الرئيسى نتيجة لوقف الملاحة. وكذلك أفشلوا مشروع سعاد ابراهيم احمد الزراعى فى وادى حلفا، اكثر من ذلك أنه عندما هم الفريق عبد اللطيف دهب لإنشاء مكتبة تخليدا لنجله وضعت العراقيل فى طريقه.
وهكذا وجدت القضية النوبية فى نسختها التسعينية نفسها وجها لوجه أمام عدو قديم وجديد هو نظام الإخوان. ومن عجبٍ أن النخب النوبية التى تضم الأذكياء وأصحاب قرون الاستشعار لم ترصد آنذاك شيطنة الكيزان ونواياهم الشريرة منذ أيامهم الأولى وللاسف رغم انتشار الوعى فشلت النخب فشلاً زريعاً فى صياغة رد فعل مضاد سريع فى مواجهة مخطط الإخوان المسلمين شديد الوضوح. وحتى عندما تقدمت المرأة النابهة سعاد ابراهيم احمد لوضع القضية النوبية فى إطارها الصحيح فى مواجهة الإخوان كان القوم يتململون فى مقاعدهم فى باحة النادى النوبى، وكان بعضهم يرى أن المسألة محض مبالغة من الشيوعيين تجاه عدوهم الشرس.
ان تأخر نخبنا فى صوغ البرنامج المضاد، أغرى العدو لتجنيد الكرزايات لتصفية القضية النوبية وإشاعة أجواء الخوف فى صفوف النوبيين لأول مرة لدرجة أن النادى النوبى كان يعتذر عن إقامة الفعاليات بحجة أن الكيزان هددوهم بمصادرة النادى.
والشاهد أن ثمة تنظيم جهوى يربط منسوبى الجبهة الإسلامية انعقد لواءه. وكان مناصريه من منطقة الشايقية ودنقلا بإشراف على عثمان طه واللواء الزبير محمد صالح وبرئاسة عزالدين السيد ووزير الداخلية الأسبق عباس مدنى قد قام فور نجاح انقلاب الإخوان. وكنا فى ذلك الوقت نجلس أمام بوتيك ليدى ديانا ونراقبهم يتسللون بانتظام الى نادى القولد فى شارع اللواء محمد نجيب. وأكثر من ذلك تضررت المنطقة فى منتصف التسعينات من السيول والفيضانات وسارع الناس الى النادى النوبى وعقدوا اجتماعا كبيرا و نقل الثقاة يومذاك أن د. عبد الوهاب عثمان وزير المالية أسر للبعض بأنه سيتخطى اجتماع النادى النوبى وسيذهب عوضاً لنادى القولد فى اجتماع يبدو أنه قد تم الإعداد له على عجل للتغطية على اجتماع النادى النوبى.ما يعنى ان كيزان حلفا والسكوت والمحس الذين يبيعون الوهم لناسنا الان اصلاً يرقصون خارج حلبة تنظيم الكيزان الأب منذ وقت مبكّر .. لكن لكى ينال العبد رضا سيده ليس عليه غير التفاني فى خدمة أهداف السيد ومؤامراته !! والادهى انه لم يكن بينهم ثمة لاعبين بحاولون لعب دور فى القضية النوبية قبل الانقاذ !!
لقد راينا كيف فعلت التراكمات فعلها فى القضية النوبية فى الألفية الجديدة، وهى تنتقل الى مرحلة شديدة الحدة، وليس ادل على ذلك من نصب خيمتين للاحتجاج فى كل من دلقو و صواردة فى وقت واحد !!
ومناسبة هذا الكلام هى المحاولات المحمومة لتصفية القضية النوبية التى تجرى الآن ويشارك فيها البعض بسذاجة متناهية مصدقين شعارات الكرزايات الذين يحركهم الكيزان.
إن وحدة القضية من وحدة السودان ولا نرى سبيلا لرفعة البلاد واستقرارها إلا بالاستجابة إلى المظالم النوبية ضمن الاستجابة لمظاليم الاقاليم الأخرى. وبخلاف هذه الاستجابة فإن السقوف ستتعلى عاجلاً ام اجلاً ويبقى عندها نشدان تقرير المصير أو التدويل واحدا من الخيارات. والحقيقة أن قضية الجنوب التي بدأت بمطالب ضرورية ما كان لها أن تتطور إلى الانفصال لولا العناد والاستهداف الممنهج لقتل فضيتهم وهذا ما يحدث الآن، إذ تسعى الدولة – عن طريق سياستها التهجيرية وإهمال الأولويات الأساسية للنوبيين وبيع أراضيهم وضرب وحدة الصف النوبي وإحراق النخيل الذي يمثل ثروة وثقافة وإرث، وتقصير التنمية على مناطق محددة وإهمال منطقة النوبة – الى قتل القضية النوبية غيلة تمهيداً لطى صفحة بلاد النوبة الى الأبد !!!
يسعى نظام الاخوان حثيثا لإضافة المزيد من الغبن للنوبيين وهو لا يدرى ان تأمره سيدفعهم للبحث عن خيارات اخرى لتحقيق مطالبهم المشروعة !!
ستبقى القضية النوبية حية فى القلوب وستبقى وسائلنا السلمية الجسر الذى تعبر عليه التطلعات المشروعة نحو نهاياتها المنطقية….
لن يعود المارد لقمقمه وسوف يدفع الوعى الالاف من النوبيين للعودة الى ارض الاجداد للدفاع عن فضيتهم و مواجهة مؤامرات الاخوان التى تستدعى تغيير قواعد اللعبة لا محالة….. وان غدا لناظره قريب !!
محمد يوسف وردى

رابط كاتب المقال : 45245

تنويه:. يقوم الموقع بجمع الأخبار والمقالات من الصحف السودانية والعالمية، ويصنفها، ثم يرتبها حسب أهميتها. كل ذلك يتم بطريقة آلية.الحقوق محفوظة لاصحابها.موقع نوبيون غير مسؤول عن المقالات اوالتعليقات الواردة أنما مسؤولية كاتبها.

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شاركنا التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن كن أول من يعلق.

التعليقات

تواصل مع المجلة