عن مفهوم التجانس وانتصار المنهزم

ثمّةّ موقف تُعززه الدول الإقليمية بأن الأمر في سوريا قد حُسم لصالح النظام الذي خدم الدول الإقليمية بالقضاء على ما عجزت عنه تلك الدول مع شعوبها، وهو ما دعا مستشارة النظام بثينة شعبان للحديث عن نهاية الحرب الأهلية، والتغني بتأهيل معرض دمشق الدولي، وكأنَّه عامل أساسي من عوامل نهوض الحضارات التي غفل عنها ابن خلدون؟

تسارعت وتيرة الزيارات لدمشق مع افتتاح المعارض العسكرية، من ممثلين ووزراء دول عربية وغربية؛ لاستثمار رياح النصر، وهو ما شجع بشار الأسد للظهور أواخر الشهر الحالي؛ ليُطلق خطاب النصر الأخير؛ فأشبع العالم كلمات رنانة، ونظريات سقطت من قواميس العرب، أو أن سقراط وأرسطو تجاهلاها عن قصد بعد عجزهما عن التأويل.

سيذكر التاريخ بعد حين أنَّ رئيسًا خرج قبل الذهاب لمثواه الأخير ظانًا أنه انتصر؛ فقرر الاعتراف بقتل شعبه، وتدمير بلده، تلبية للدول التي رعته وضمنت له البقاء في كرسي العرش المهترئ، حتى يتسنى له تكريس مفهوم المجتمعات المتجانسة.

وعند الحديث عن مفهوم التجانس، فالأسد – بلا أدنى شك – قد صدق بما نطق به، فالتجانس هو التشابه أو التقارب، واستقطاب لعينات تشترك بنفس الجينات، ولها نفس الخصائص والمواصفات، وما هو غير صالح ومطابق للمواصفات يخضع لمراحل التعديل أو الاستنساخ، وإذا ما فشلت هاتان المحاولتان، يتم التطرق للحل الأخير: الإقصاء والاستبعاد، أو الحذف والتشويه، بُغية الوصول إلى النتيجة المستحدثة في منطق تكوين المجتمعات.

نجح الأسد في تحقيق الممكن بلغة الإجرام، وانطلق من مقدمات بين يديه، ثم تقدم خطوة لمرحلة تطبيق القوانين في حقل التجريب، فقتل مليون سوري، وهجر تسعة ملايين، بحجة أنه لا تتوفر فيهم المواصفات المناسبة، وفي سجونه مئات الألوف تُجرى عليهم تجارب عدة، ومن يستعصي ويُبدي حالة تمرد يتم زجه في حراقات صيدنايا المجهزة لتطبيق مفهوم التلاشي الأخير.

وبالعودة لخطابات النصر، فبعد كل الركام فوق جثامين السوريين، أصبح مفهوم النصر – في نظر محور المقاومة والدول الراعية له – هو تكريس لشعور الاستسلام والرضوخ للواقع الجديد، التي فرضته روسيا. فموسكو فرضت آستانة، وحولت سوريا لمناطق نفوذ دولية، عبر مناطق خفض التصعيد، وهمشت المعارضة الخارجية، على حساب تشكيل معارضة داخلية قدمت لها تراخيص المجالس المحلية، وصلاحيات تدبير أمور المدنيين، بشكل يلبي تطلعات بوتين في حضور طويل الأمد.

والاجتماعات المارتونية التي تحدث في الرياض بين المنصات الثلاث، لا تزال تُرواح في المكان بالحديث عن معضلة مصير الأسد، وهي ذاتها السبب في عدم توحد المنصات في وفد موحد.

ويُضاف سبب آخر للانتصارات الفارغة، ما أوحي لنا أنه تغير وتبدل في مواقف الدول من مستقبل سوريا، من خلال تسريبات لبعض الصحف الغربية، فكل فترة نتلقى خبرًا بأن بريطانية أو فرنسا أو واحدة من الدول الأوربية لم تعد تنظر لرحيل للأسد شرطًا للحل في سوريا، مع العلم بأن معظم هذه الدول لم تقطع علاقاتها بالأسد، لكن ليس حبًا له، فالقاسم المشترك بينهم لغة الاستثمارات والمصالح، فسوريا أصبحت سوقًا دوليًا للدول التي ترغب في قطع مساحة جغرافية، أو إنشاء قواعد عسكرية، حتى بلغ العدد 16 عشر قاعدة أجنبية.

موقف الدول الغربية والأوربية نابع من نجاحات روسيا، فهي اليوم الآمرة الناهية، وتعمل جاهدةً لفرض حل سياسي يبقي بشار الأسد على الأقل لنهاية ولايته في 2021.

فلا موقف غربي جديد، فكل الدول الداعمة للأسد منذ 2011 هي ذاتها من تسابقت على التنافس في الاعتراف أنه لولا دعمهم لسقطت دمشق والأسد ونظامه منذ زمن، من روسيا وإيران وحتى الحشد الشعبي والعراقي، جميعهم لم يذكروا جيش النظام إلا في لملمة الجثث.

وغاب عن الأسد أن وفود الحجيج إلى دمشق لم تكن كرامة لعينيه، بل هي تكريم للاحتلال الروسي وإرضاءً لبوتين، والمساهمة في ملف إعادة الأعمار.

فيما يعلم الجميع أن الأسد سقط لحظة خروج الشعب، وتقليصه الأراضي الجغرافية لـ90 % في 2013، بعد هذا العام دخلت الثورة في منعطق دولي، وحدث ما حدث، واستمر الأسد في البقاء بسبب مد الأوكسجين بيد قوة احتلالية، وأخرى سوداوية تكفيرية ضلالية، استمر الأسد يستنشق منها حتى كتابة هذه السطور، لا لشيء، فقط لإشباع غريزة الانفصال قبل الانتقال إلى مخلفات التاريخ.

الثورة تجربة وسلوك قبل كل شيء، ولن تقف حتى تحقيق أهدافها، فلا تغَّرنكم المجتمعات المتجانسة، وعلى السوريين التسلح بسلاح الوعي، للتخلص من كامل التبعية الأجنبية وعودة امتلاك زمام المبادرة الوطنية، فالرصيد الثوري بدمار سوريا وتشريد سكانها هو الكفيل الوحيد للتخلص من منظمة الأسدية والانطلاق لمستقبل واعد يراهن على النهوض السوري بسواعد من بقي على قيد الحياة.

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *