الرئيسية » السودان » قراءة الموضوع

حكمة الحد الأوسط في نظرية أرسطو

2017-08-31 23:38 2 0 تعليق

د زهير الخويلدي

لقد أشكلت الفلسفة على الإنسان أيما استشكال واستعصت على الفهم أيما استعصاء سواء من جهة العبارة أو الفكرة أو المنهج أو الموقف. ولقد زاد هذا الغموض عند قيام الاتجاهات الفلسفية وبروز الفلاسفة الكبار واكتساح المدارس الفكرية والمذاهب العلمية واندلاع نزاع العمالقة حول الوجود.

إذ تبدو الفلسفة من جهة أولى تجربة فكرية صعبة تجلب الحيرة والارتياب وتوقع الذهن في الكثير من المزالق ومن جهة أخرى يمكن حفظ قواعدها واستعمال طرقها في الحياة والتعويل عليها في التطور.

لم تقل هذه الحيرة ولم يتناقص هذا الالتباس إلا عندما تم اعتبار الروح الفلسفية هي بلوغ نصيب من المعرفة بشكل متأني بالاعتماد على مسالك منهجية معلومة والتمتع بجرعة من سعادة الحكمة المرحة.

لقد ربط الفلاسفة حينئذ التفكير بالحياة والمعرفة النظرية بالاهتمام بالمعلومات المفيدة وجعلوا عملية اكتساب الحقيقة مقترنا بإنتاج المنفعة وصناعة الذكاء وابتكار الآلة واختراع القانون وإضفاء القيمة.

بيد أن الفلسفة ليست مذهبا تام التكوين ولا عقيدة جامدة تشكلت بصورة مكتملة ولا تتضمن نسقا مغلقا وإنما هي فلسفات أوجدها العديد من الفلاسفة وتوجد في التاريخ وترتبط بالواقع وتعرف حدوث عدة تغيرات والكثير من المراجعات بحيث تتجدد فيها المفاهيم وتنمو عبرها المناهج وتتوالد المقاربات.

بهذا المعنى تحبذ الفلسفة التفكير الحر عبر آليات السؤال والحوار وتمارس النقد والتفكيك والتأويل والتغيير وتشيد النظريات المعرفية وتبني الأنساق المفتوحة وتدفع اللغة إلى وصف الواقع الطبيعي.

غير أن تاريخ الفلسفة شهد ظهور مجموعة من الأزمات وبروز الكثير من الظواهر الملغزة والمسائل المستعصية مما دفعت بالعقول إلى الاستنجاد بالتجربة التطبيقية حينا أو الاعتصام بالرياضيات أحيانا.

في هذا السياق يعتبر أرسطو 384- 322 قبل الميلاد من أول الفلاسفة الإغريق الذين كانوا على وعي تام بحدة الأزمة التي عصفت بالمدينة وعجلوا بتوجيه الفلسفة نحو تفقد مقولاتها للرد على التحديات.

تبدو الملامح الأولى للأزمة بشكل واضح في نوع علاقة التلميذ أرسطو بالأستاذ أفلاطون أو في علاقة فيلسوف سابق بفيلسوف لاحق التي تدعو إلى ممارسة الابتكار والإضافة والخروج عن السابق من ناحية أولى والى الوفاء والالتزام والإيمان باستمرارية وتواصل القيم الفلسفية من ناحية ثانية.

بعد ذلك تكمن أهمية أرسطو، ثانية، في وضعه جملة من المباحث الأساسية كالميتافيزيقا والمنطق والإيتيقا والسياسة والفيزياء ولكن الأكثر استشكال هو طرحه قضية العلل الأولى ومبادئ القصوى.

من جهة ثالثة انتمي أرسطو إلى اللحظة التأسيسية للفلسفة الإغريقية التي دفعت بالعقل إلى القطع مع الخرافة ولكنه ظل يُعتَبرُ أول الفلاسفة الإغريق الذين حاولوا أن يكونوا طبيعيين بلا حاجة للأساطير.

على مستوى رابع تبني أرسطو تصورا موسوعيا للفلسفة وأنتج نظرة كونية للأشياء واحتلت مسألة الكلي منزلة محورية في فكره ولكنه دعا إلى التعمق في دراسة الظواهر ودافع على التخصص وكان أول الذين قسموا المعرفة إلى علوم دقيقة وميزوا حقل التجربة إلى دوائر معلومة وأدراج متصلة.

على هذا الأساس تطرح العديد من الأسئلة حول نظريته في المعرفة وفكرته عن الطبيعة ونظرته للكون والمنهج المنطقي للتفكير وعلاقة النفس بالجسم ومنزلة المادة من الحياة وتصنيف العلوم لديه. إذ كيف يكون واضع علم مابعد الطبيعة وعلم الطبيعة في الآن نفسه؟ وبأي معنى قام ببناء المنطق من مقولات عن اللغة والفكر والوجود وأصناف من الكائنات الحية والتاريخ الطبيعي مثل النوع والجنس؟

1-    الحكمة النظرية:

لقد انطلق أرسطو من الآراء اليقينية حول الأشياء المجهولة والمدركة والمظاهر الموثوق بها من قبل عدد كبير من الناس واعتبرها حقائق تقودنا إلى إدراك الوقائع و معرفة منزلتنا في الكون والتفلسف.

لقد اعتبر الحياة الإنسانية تتضمن ضرورة الحاجة إلى البحث والتحرك ومطلب تحصيل كل المعرفة وممارسة التفلسف والنظر في الطبيعة والاعتبار من الظواهر الكونية وبلوغ الحكمة من خلال التفكر.

لقد تصور الحكيم على أنه الإنسان المتحصل على معرفة بجميع الحقائق لكل الأشياء في كل الأزمنة والقادر على بلوغ السعادة من خلال الرغبة في المعرفة وليس عن طريق انتماء سياسي لنظام عادل.

لقد قاد الفكر الموسوعي الذي تبناه أرسطو إلى بناء معرفة شمولية تنظر في الكون من جميع جوانبه الظاهرة والخفية وكذلك الأجسام الهائلة والأجسام الدقيقة وأيضا الظواهر البعيدة والظواهر القريبة.

لقد ارتكزت المعرفة الفلسفية عند أرسطو على التأمل النظري وطاردت الكلية وبحثت عن المطلق ولكنها في ذات الوقت أدخلت الملاحظة إلى الفكر وعولت على حركة اليد المتجهة إلى الأرض من أجل الاحتكام إلى التجربة والعودة إلى التاريخ الطبيعي واستعان بالسبر والاستقراء بعد الاستنباط.

لقد اعتمد أرسطو على الرياضيات في مقاربته الفيزيائية والمنطقية للطبيعة التي استقاها من العلماء الإغريق الذين سبقوه على غرار فيثاغورس وطاليس وأرخميدس وإقليدس وديمقريطس وهرقليطس.  ولكنه ظل مشدودا إلى أستاذه أفلاطون في تعويله على مبدأ اللّوغوس من حيث هو تفكير عقلاني قادر على النظر إلى الطبيعة من جهة العلاقات التي تتكون منها الوقائع والتعبير عنها عبر خطاب متماسك.

في المقابل خالف فيلسوف الأرض أرسطو فيلسوف السماء أفلاطون- حسب الرسام رافيال في لوحته الشهيرة- بمنح الرأي والخطابة والشعر والمجاز منزلة في الشغل المعرفي الذي يؤديه الفكر الفلسفي.

من المعلوم أن أفلاطون جعل الفلسفة في قطيعة جذرية مع الرأي واعتبر محب الرأي فيلسوف مضاد والآية على ذلك أن الرأي هو مجرد عتمة يجب على النفس جبه من أجل الشروع في التأمل والتفكر، واعتبر السفسطائيين شياطين ومهرجين لزعمهم امتلاك الحكمة واستعمالهم اللغة للخداع والهيمنة.

إذا كان أفلاطون قد أجاز اعتماد التفكير الفلسفي على جل الأساطير من أجل بلورة الأفكار وتوضيح المفاهيم فإن أرسطو ابتعد عن ذلك وعَوَّلَ على تجميع ملاحظات عن الحياة المشتركة واللغة الجارية.

علاوة على أن أرسطو تفلسف بشكل مغاير حيث اعتبر الأفكار المشتركة وألفاظ اللغة المتداولة نقاط انطلاق نافعة من أجل بناء معرفة يقينية بالكون واتخذها أصلا ومصدرا لكل حكم عقلي على العالم.

كما أعاد الاعتبار للسفسطائيين حينما أخذ محمل الجد الدور المعرفي لتقنيات الكلام في فن الخطابة وثمن التوازي بين النحو كنظام اللغة والمنطق بوصفه نظام التفكير، بين حسن القول وحسن النظر.

لقد جعل أرسطو من تجربة التفلسف مقترنة بالدهشة والتعجب عند النظر إلى الموجودات وطرح سؤال لماذا؟ وقام بتفريع ذلك إلى أسئلة أخرى على غرار ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ومن؟ ولمن ؟…

من هذا المنطلق يقر أرسطو بوجود ترابط أصلي بين بنية الوجود وبنية الفكر وبنية المعرفة، ولما بقي  الوجود يقال على أنحاء عدة والفكر يقطن بين الكلي والجزئي فإن المعرفة تقال على أنحاء عدة أيضا.

كما أن الوجودêtre  إلى دلالة واحدة لا يشير وإنما يتم الإشارة إليه من زوايا مختلفة والتدلال عليه بطرق شتى وهذا الرأي ينطبق على كل نوع وكل جنس بنفس الكيفية. لكن إذا كان أفلاطون قد بحث عن كيفية إرجاع كثرة الموجودات وتعدد الأشياء إلى مبدأ موحد أسماه الأيدوسeidos  أو المثال وأقر بوحدة الحقيقة والقيمة والأصل ووضع معايير كونية وخصائص عامة تميز المعرفة العلمية عن الظن والرأي والوهم وفتش عن ماهية الفضيلة في حد ذاتها عند كل تحديد واستقر به الأمر على إعلاء قيمة العدالة عند الحكام والجشاعة عند الحراس والاعتدال عند العامة من أجل بلوغ السعادة فإن أرسطو على العكس من ذلك أبقى على حركة الموجودات في تنوعها واعتبر الاختلاف الموجود بين الفضائل أمرا لا يقبل الإرجاع إلى أي مبدأ أول مهما كان شرفه وحتى إن زادت منزلته أو نقصت.

من ناحية ثانية إذا تعذر على الفكر الفلسفي بلوغ معرفة موحدة وشاملة يفترض أرسطو وجود علم أسمى أطلق عليه تسمية علم الوجود بماهو موجود وتم نعته في مقام آخر بالفلسفة الأولى والميتافيزيقا.

لقد ميز أرسطو بين خمسة فضائل هي التقنيةtechné  والمعرفةepistimé  والحذرphronésis  والحكمةsophia  والعقل nous ، كما قسم أرسطو ميدان المعرفة إلى ثلاثة مجموعات  كبرى:

– علوم نظرية  théorétiquesتدرس المعرفة الخالصة مثل الفلسفة الأولى والمنطق أو الفيزياء

– علوم تطبيقية pratiques  تتعلق بقوى الفعل وأغراضه وخاصة الأخلاق والسياسة والاقتصاد.

– علوم إنشائية  poïetiques تمس عناصر الإنتاج والخلق في التقنية الصناعية والفنون التشكيلية.

في الواقع ، يفرق أرسطو هنا بين théorétiques وthéoriques وذلك لوجود تقارب كبير في المعنى بينهما ويرى أن النظري لا تنطبق هنا على العلم بقدر ما تنطبق على موضوعه. كما أنه يفرق بين المتقاربين poïetiques و poétiquesويرى أن الجذر الإغريقي poïesie قد تفرع عنه لفظ الشعرpoésie  والذي يعني الإنتاج بينما العلوم التشكيلية يمكن أن تدل على العلوم الموهوبة بالشعر.

بعد ذلك يرفض أرسطو القول بوحدة الحقيقة وينفي وجود معيار كوني ويبرر ذلك الرفض باحتمال إسناد صفة التقريب والمرجح والممكن والجائز والعرض على بعض جهات الوجود ومناطق المعرفة.

كان أفلاطون قد اعتبر الجدل صعود روحاني للنفس نحو المثل فإن أرسطو قلل من وظيفة هذا المنهج وذلك لما أطلق تسمية منطق الاحتمال على الجدل بالتعارض من المنطق الذي يعالج الحقيقة اليقينية.

فماهي الفروقات التي يكشف عنها أرسطو بين منطق ضعيف للاحتمال ومنطق قوي للبرهان؟

والحق أن المنطق البرهاني هو الفكر القادر على الحكم في القضايا والبت في الأحكام والتمييز بين الحقائق. وبما أن الوجود يقال على أنحاء عدة ولما افتقد فعل الوجود المعنى نفسه بين عبارة “هذا أبيض” وعبارة “انه إنسان” وعبارة “انه جالس” فإنه يجب تعريفه عبر المحمولات الممنوحة له.

في هذا الصدد يميز أرسطو بين عشرة محمولات التي لا تعني لوحدها شيئا ولذلك ينبغي أن تدخل في علاقة مع محمولات أخرى ويجب أن تخضع إرادة القول لبنية الخطاب عن الوجود لكي تمتلك معنى.

تتبلور قائمة المقولات العشرة على النحو التالي: الجوهر، الكم، الكيف، العلاقة، المكان، الزمان، الوضع، الملكية، الفعل ، الانفعال. وتمثل هذه المقولات أجوبة على الأسئلة التي يمكن طرحها حول أي كائن بالشكل الآتي: من؟ ماذا؟ كيف؟ كم؟ مع من؟ أين؟ متى؟ بأي طريقة؟ من ماذا؟ وبماذا؟

يتكون المنطق الأرسطي من تعريفات وقضايا واستدلالات ونتائج، ويتمثل الاستدلال في التفكير أو الإحالة إلى مرجع واقعي من أجل استخلاص قضايا معينة تتكون من جملة من الملاحظات التجريبية والأوليات الرياضية التي يتم استنتاجها من قضية بديهية أخرى تكون لازمة بصورة ضرورية عنها.

إن الاستدلال هو مرور من المعلوم إلى المجهول ومن الضمني إلى المعلن ومن الباطن إلى الظاهر عبر آلية القياس التي تتكون من ثلاثة عناصر مترابطة فيما بينها بشكل منطقي ومتساوق: وهي المقدمة الكبرى تشير إلى القاعدة العامة التي والمقدمة الصغرى التي تمثل الواقعة الخاصة والنتيجة.

يبلور القياس ترابطا بين طرفين يشكل الطرف الأول الموضوع ويمثل الطرف الثاني المحمول على النتيجة وبعبارة أخرى يجب إيجاد الحد الأوسط بين ذات القضية الكبرى ومحمول القضية الصغرى.

إذا كان الاستنباط عملية ذهنية خالصة تتم داخل التجربة الفكرية بالانتقال من العام إلى الخاص فإن الاستقراء هو تعميم عقلاني يجري داخل التجربة الميدانية ويقوم على استخلاص الكلي من الجزئي.

لقد رفض أرسطو نظرية المثل الأفلاطونية التي تفترض وجود معقول مغاير للوجود المحسوس وبين أن الكائنات تتكون بامتز اج وتشاكل بين المادة والصورة في كيفيات الليونة والسيولة والتجمد والتبخر.

لقد كان أرسطو المنظر الأول لعمل التجريد عن طريق انتزاع صور المحسوسات من الأشياء المادية والاستنجاد بالتذكر والتخيل والتصور والانتقال من حال الوجود بالقوة إلى وضع من الوجود بالفعل.

إن الفكرة أو المثال بالنسبة إلى أرسطو لا يتنزه لوحده في السماء العقلي بمرافقة الآلهة وإنما يكمن في الوجود ذاته ويقوم بتحديد نوعه و ضبط جنسه ضمن نظام الوجود بواسطة الخاصة والعرض الذاتي.

المعرفة الفكرية تتطلب استخلاص الصور من المحسوسات بتجريدها من مواد الأشياء دون الاعتقاد بإعادتها إلى عالم مثالي وقع افتراضه مسبقا والاجتهاد بإخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

من هذا المنطلق تبدو الفلسفة الأرسطية فلسفة غائية لأن الأهم من وجود الموجودات ومعرفتها هو الغاية التي تصل إلى تحقيقها وتتشوق إلى محاكاتها ولذلك عرف الفلسفة بأنها علم المعلوم الأسمى.

يفهم أرسطو كلمة غاية بمعنيين: الهدف الذي يتطلب توفير جملة من الوسائل قصد بلوغه والعلة التي تمنح الوجود وتفسره ولذلك كان قد صرح أن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا وأنها تتحرك من أجل غايات.

إذا كان أنكساغور قد رأى بأن الإنسان يفكر لأنه يمتلك يدين فإن أرسطو قد تصور العكس وقد أقر بأن الإنسان يحوز على يدين لأنه يفكر وبالتالي لا يكتفي بابتكار جملة من الأدوات والوسائل وإنما يتبع سلم تراتبي من الغايات ويحول غايات نسبية إلى وسائل بغية بلوغ غايات أسمى وأهداف مطلقة.

بطبيعة الحال ترتب عن ذلك تغيير في نظرة الفلسفة إلى وجود الله فإذا كان ما قبل السقراطيين يؤمنون بتعدد الآلهة على غرار ديونوزوس وأبولون وزوس ويدرجوها ضمن تصورات أسطورية فإن أرسطو في كتاب الميتافيزيقا يتحدث عن الله في المفرد لا في الجمع ويعرفه وفق ثلاثة صيغ ملغزة: محرك أول يحرك بقية الكائنات وهو لا يتحرك، العقل الذي يعقل ذاته، الحركة الخالصة. بهذا المعنى تم نفي الطابع المشخص للألوهية الذي كان موجودا في معظم التصورات الإغريقية الخرافية ولم يعد الله شخصا ولا يملك أي خاصية أخلاقية ولم تعد له قدرة خلاقة للكون وبقي له دور تنظيمي.

لقد أبقى أرسطو لله وظيفة كوسمولوجية بحيث يمثل الضرورة الفكرية وأساس السببية الطبيعية وأصل حركة الأشياء والعلة الأولى ومصدر التناغم والانسجام والنظام في الكون والمعشوق الأول للكائنات.

من جهة ثانية قدم أرسطو فكرة عن عالمين ينتميان إلى حقيقة فيزيائية واحدة ويوجد الأول فوق القمر وتكون حركة الأجسام فيه دائرية وكاملة وترمز إلى الأبدية بينما ينتمي العالم الثاني إلى ما تحت القمر وتتحرك الأجسام الأرضية بصورة اضطرارية بالدفع أو الجذب في وضع ناقص باحثة عن كمال أول وفق مسارات متنوعة وتكون من الأسفل إلى الأعلى أو العكس ومن اليمين إلى الشمال أو العكس.

لقد كان أرسطو قد ميز بين أربعة أنواع من الحركة: الأولى هي العلة الغائية وتتمثل في اكتمال مشروع التمثال ، الثانية هي العلة المادة وتتمثل في المادة التي صنع منها التمثال، والثالثة هي العلة الفاعلة وتتمثل في يد النحات التي قامت بصنع التمثال، والرابعة هي العلة الصورة ويمثل في الشكل.

تمثل العلة الفاعلة ، في التصور العادي، العلة الحقيقية لإحداث الشيء أو الفعل وتظل العلل الأخرى مجرد ظروف محيطة وشروط محددة ووضعيات معينة تحدث فيها الأشياء وتقع الأحداث والأفعال.

بيد أن أرسطو يخالف الموقف المعتاد ويعتبر العلة الغائية هي الأكثر أهمية بينما يطلق تسمية الأسباب على العلة المادية والعلة الصورية ويبرر ذلك بأن السبب هو الذي يمنح الشيء وجوده ويتيح معرفته.

اللافت للنظر أن التصور الأرسطي للعالم يندرج ضمن نظرية السطوح التي صاغها أيدوكسedoxe  الذي جعل الكون متشكلا من مركز الأرض ومن مجموعة من السطوح الصغيرة التي تدور حولها.

لقد أخذ أرسطو كذلك عن بارمنيدس وأفلاطون نموذج الكون المسطح الذي يتضمن جملة من الأبعاد والعناصر والأحجام التي تكون صورة العالم من جهة كليته وكماله وتناهيه وأبديته وانغلاقه وتساوقه.

بناء على ذلك كان لأرسطو السبق في تشييد علم جديد اصطلح على تسميته فيما بعد بالميتافيزيقا ولقد تراوح معناها بين الفلسفة الأولى التي تدرس الوجود من حيث هو موجود وبالتالي الأنطولوجيا التي تهتم بمعرفة الماهيات والجواهر و مابعد الطبيعة تماشيا مع ما كان أندرونيكوس الروديسي قد قام به عندما وضعها في ترتيب المباحث بعد الفيزياء وجعلها تعني العلم الذي يدرس حقائق الوجود الواحد.

بهذا المعنى يفيد لفظmeta  ما بعد الطبيعة وما وراء الظواهر وما فوق المحسوس ولقد عني هذا التقدم المجال الزمني والبعد المكاني والنظام المنطقي واقتصر في النهاية على الله والروح والعالم.

لقد أشار أرسطو إلى أن طبيعة الفلسفة من حيث الأصل الذي تنبع منه هي دهشة النظر في الوجود ونقد نظرية المثل الأفلاطونية التي تستمد موضوعيتها من قسمة الموجودات إلى المحسوس والمعقول واعتبر الشيء الحسي هو صورة الموجود الواقعي وأقر بالمحايثة بين الفكرة الحقيقية والشيء المادي. ولقد تعامل مع الفلسفة الأولى من حيث هي معالجة ليس للوجود كماهو وإنما للوجود بما هو موجود وللوجود بصفة عامة ، ويتضمن هذا المبحث أيضا مبادئ الاستدلال التي تتحكم في كل فكر إنساني وتتمثل في مبدأ عم التناقض الذي يقر باستحالة تضمين محمول إلى نفس الموضوع ونفيه في ذات الوقت وضمن نفس العلاقة ، ومبدأ الثالث المرفوع الذي يؤكد على أن قضيتين متناقضتين تكون واحة منهما صائبة وتكون القضية الثانية كاذبة ، ومبدأ الهوية الذي يقر باستمرارية تطابق الشيء مع نفسه.

بعد ذلك قام أرسطو بالتمييز بين ثلاثة أنماط من الأنفس تماشيا مع ما يوجد في الطبيعة من النباتات والحيوانات والبشر وأوضح أن النفس النباتية حساسة والنفس الحيوانية محركة والنفس العاقلة مدركة.

إذا كانت النفس النباتية تسمح للكائن الحي بالتغذي والنمو والتكاث

Share

التعليقات

( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

لا تتردد في ترك التعليق…

رابط كاتب المقال : اق

تنويه:. يقوم الموقع بجمع الأخبار والمقالات من الصحف السودانية والعالمية، ويصنفها، ثم يرتبها حسب أهميتها. كل ذلك يتم بطريقة آلية.الحقوق محفوظة لاصحابها.موقع نوبيون غير مسؤول عن المقالات اوالتعليقات الواردة أنما مسؤولية كاتبها.

التعليقات المشاركة 0 تعليق . (RSS 2.0) شاركنا التعليقات

  1. لا توجد تعليقات الأن كن أول من يعلق.

التعليقات

تواصل مع المجلة