ترقبوا هدية السقطريين – #سقطرى

ستكون الرحلة خيالية إذا هبطت طائرة سائح أجنبي أو عربي أو يمني على مطار حديبو الدولي.. عالمٌ من السحر والجمال سيُصدمُ به الواصل إلى أرخبيل سقطرى اليمنية للسياحة العلاجية، إذ سيشاهد الجزيرة من نافذة طائرته قبل هبوطها على بعد 50 ألف قدم، فهناك قلب أنثى وصدر عروس تزينت لاستقباله، وسيرى أيضا هبوطا وصعودا لطائرات مختلفة الأحجام والألوان والبلدان أثناء لحظات الهبوط، فلم تعد الجزيرة معزولة كما كانت، وهذا ما يفسر البدء بهذه السطور المندفعة..

في المطار المزود بجداريات ضوئية تبهر الناظرين، سيحدد القادم وجهته وفقا لما سيلفت نظره أولا.. فقد جهزت إدارة السياحة في محافظة سقطرى جدران المطار بلوحات ضوئية لأهم وأبرز المناطق والمزارات في الجزيرة، ويوجد أسفل يمين كل صورة معلومات الصورة وخريطة الوصول وبعدها عن مركز المحافظة..

أصبحت جدران المطار وقواطعه الزجاجية أطلسا مصورا لنحو 4 آلاف كيلو متر مربع في عرض المحيط الهندي، على بعد 950 كم من العاصمة اليمنية عدن، ونحو 500 كم من المكلا عاصمة إقليم حضرموت، وبإمكان الزائر الذي اختار – مثلا – أن يقيم أياما في جبال “ديكسم” أن يعطي سائق سيارة الأجرة كرتا فيه معلومات الصورة التي سحرت فؤاده، فأخذها من علبة مفتوحة بالقرب منها أعدت لهذا الغرض.

في حالة شخص “بصري” مثلي، فقد أخذت 10 كروت مرة واحدة، لأن عشر صور وعشرة مواقع على الأقل أعجبتني وأخذت عقلي، وما إن وصلت بوابة المطار حتى تراءت أمامي الخيارات العشرة.. قررت تأجيل الاستمتاع بتنوعات مناخ العاصمة حديبو وريفها وشاليهاتها ومشفاها الكبير المخصص للسياحة العلاجية بأعشاب ونباتات وعسل الجزيرة الأولى في العالم.. فقررت البدء بأقصى نقطة في الأرخبيل، هناك حيث سمحة ودرسة والجزر المتناثرة كاللؤلؤ المنثور، حيث لا يمكن الوصول إلا عبر القوارب التي خصصت لها قيادة الإقليم ألوانا تعبر عن هوية الأرخبيل.

لكنْ عليّ الآن أن أختار واحدا من عشرة فنادق سياحية فخمة تم إنشاؤها مؤخرا، عوضا عن الثلاثة الفنادق اليتيمة التي رأيتها في زيارتي الأولى عام 2012. ثم إن عليّ أن أكحل عينيّ بميناء سقطرى الذي أصبح قبلة السفن التجارية للتزود بكل شيء من هناك.. لقد استفاد السقطريون من كل التحديثات التي قامت بها الحكومة بعد تحرير اليمن من الانقلاب، ومن مشاريع الجيران، واستثمارات الأشقاء، ورجال المال المحليين، وحتى أطماع الحالمين أيضا.. كل ما تم تشييده من إنشاءات أصبح ملكا للسقطريين ولا شيء غير ذلك.

أعترف لكم أنني لم أندهش كثيرا بالمطاعم السياحية البحرية التي صممت على ظهر السفينة العملاقة “حجهر” حين تبدت لي أنوارها وسط البحر بين الجبل والشاطئ، ذلك أن سقطرى شهدت في العشر سنوات الأخيرة انفتاحا على العالم الخارجي بقلب وعقل تجاريين، حيث عمدت الحكومة الاتحادية إلى تنشيط وتسهيل الحركة الداخلية بين سقطرى ومواطني كافة الأقاليم اليمنية فأصبحت الوجهة الأولى لكل راغب في المتعة والسياحة داخل بلده.. ولم يعد بإمكاني كصديق قديم للوزير فهد كفاين وعيسى أبو حمزة والزميل محمد العرقبي أن أحظى بفرصة لقاء كذاك الذي حظيت به معهم قبل عدة سنوات.

كل شيء هنا رخيص بالمقارنة مع زيارتنا الأولى حيث وبدون سيارة صديقي “عفان” كانت رحلتنا إلى “ديكسم” رفقة أصدقائي بدر وفهد والعرقبي وعيسى وآخرين، كانت ستكلفنا أكثر من 15 ألف ذهابا وإيابا واستراحة، غير أنني الآن لم أدفع سوى 3 آلاف هذه المرة ذهابا، وسأقيم هناك في استراحة مجانية أعدت لخدمة الوافدين إلى أعلى قمة الجبل الذي لا يخلع عمامته البيضاء – كناية عن السحب التي تغطيه – طوال ستة أشهر، وهناك حيث وضعت متاعي تحت قبة صغيرة – خيمة – تأخذ طابع المكان، وتم إعداد المئات منها على مسافات متباعدة كاستراحات فردية مجهزة بمصادر للكهرباء والانترنت والماء باستخدام الطاقة الشمسية..

التقطت كاميرتي وتجولت وسط غابات كثيفة من أشجار دم الأخوين والنباتات العلاجية، واستمتعت بمذاق الطهي الجبلي للأغنام زهيدة القيمة في مطاعم شعبية متناثرة هناك وبالرغم من وجود مئات التائهين مثلي وسط تلك الجبال إلا أن الأجواء تبدو كما لو أنه لا يوجد أحد هناك..

قضيت أياما في تصوير الطيور النادرة والثعابين والأشجار وتنقلت بين السهول والجبال والمرتفعات وأكلت وشربت من ألبان وأغنام جبال ديكسم.. لم يكلفني الأمر أكثر من 300 دولار.. الأمر مدهش حقا، إذ أن تكلفة الإقامة تساوي “صفر” وليس على الزائر سوى فتح شهيته للأكل والشواء وسط تلك الشعاب السحرية الآمنة، والاستمتاع بنجوم الليل على مرتفعات لا يمكن تشبيهها في سطور..

شخصيا سأترك مجالا لغيري من زائري الأرخبيل لوصف إبداع أيادي الإنسان السقطري الحالم، واستفادته من إبداع خالقه في أرضه واستثمار كنوزها وتسخيرها كمصدر دخل فردي ومورد مالي هام للمحافظة والإقليم واليمن الاتحادي ككل.

تسابقني الحروف وأنا لم أذكر سوى أربع “صور” من تلك التي أدهشتني وأنا في بهو مطار حديبو.. وها أنذا أحزم أمتعتي للعودة إلى الفندق والاستمتاع بآخر ساعات أجازتي حيث سأكون على موعد مع الاستجمام واتباع الإرشادات العلاجية في جزيرة الطب، والتهام المزيد من أسماكها وشراء بخورها وعطرها وعسلها وتحفها وألبومات صورها التي تباع في كل مكان..

في سقطرى سيكون من السعادة إذا ظفرت بصديق مثل د. سالم الشنقبي أو عيسى بو حمزة، يستطيع التفرغ يومين أو ثلاث لرفقتك، الناس كلهم هناك في ورشات شغل واستقبال وتوديع وخدمة تجارية فائقة الجودة، مدنية الإنسان السقطري لم تلوثها أيام اليمن الكئيبة التي أعقبت الثورة والمقاومة والانقلاب وصولا إلى التحول الاقتصادي الكبير..

مرة أخرى عليك أخذ عشرة كروت مثلي من صالة المطار والتوجه إلى الكهوف والجبال والغابات ولا تنس أن تأخذ حظك من الغوص مقابل عشرة دولارات هي قيمة ملابس الغوص ومشاريب ما بعد العودة من عمق خمسين مترا في إحدى بحيرات الغوص المخصصة لذلك..

خذوا كروتكم من الآن وجهزوا دولاراتكم، فما سبق ذكره لن يكون حلما، بل سيصير واقعا مستقبلا.. وإني على يقين من ذلك، كيقيني بإيمان الإنسان السقطري الذي تجري هذه المشاريع في دمائه، والقادم أفضل..

فيديو ترقبوا هدية السقطريين – #سقطرى

رابط كاتب المقال : تلبل89989888

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *