الشيطان التائب وتلاوة في منهاتن العليا

أنا يا سيّدي لستُ بمذنبٍ قطُّ. كُل ما في الأمر أني عاملٌ يوميٌ بسيطٌ، جامعيٌ مجازٌ في الأدب والحضارة الفرنسية، كنتُ من الحالمين بالغد الأفضل: وظيفة محترمةٌ، مكتبٌ أنيقٌ، مركز دراساتٍ، منزل وسيّارة فحمية اللّون. حياة سطّرتها برفق بارع ليالي أيّام كنتُ طالبًا أطلُّ من شرفة غرفتي في المبيت الجامعي. الظاهر أني كنت واهمًا!

لم يكن لي خيار. أكملت دراستي بالجامعة لأجد نفسي مرميًا على الرصيف بين الكادحين وأرباب البيوت وأُناس يسابقون الشمس نحو مكان تجمّع العُمّال. موجة برد في طريقها لتخيّم على المدينة وتُشعر ككل سنة الأب بذنب أولاده الجائعين. ترى الوجوه التي مرّ عليها الدهر وألفتها الأرض وتحنُ إليها الطيور أيّام هجرتها الموسمية وكأنها ترتيلٌ عذبٌ لمعنى الجهاد والكفاح وسمو بأزكى تفاصيل الأمل المنشود. ملامح الشرقي بسُمرته وكفّه الخشن الذي عبثت عجينة «البغلي» والرفش وما تعوّد عليه من رفعٍ غير منتهٍ لقطع السماء المتساقطة. بشاربه الذي غزاه الشيبُ دلالة على البقاء. ولحيته الطويلة تدليلٌ أنيق على الاستمرار. تغطي فروة رأسه قبّعة صوفية وتحملُ كتفاه برنسًا محلي الصنع مرتّقٌ بعفوية الصغار وأمانيه التي يتلوها كلّ ليلة بدر بعد انتصاف الهزيع ككل سنة.

تشير ساعتي إلى السادسة، الكلُّ هنا، وقفت تحت عمود الكهرباء أنتظر قدوم «سيّدي الجديد»، فقد تمكنت من الحصول على وظيفة «جنّان» بإحدى المنازل الفخمة في الضواحي الفردوسية للمدينة. فأنا القائم على عائلتي الكبيرة : أجرة الطبيب، والخبز، والغاز، وفواتير الكهرباء، وعُدّة المنزل، ومستلزمات الدراسة وقليل من الدراهم التي تصرّها أمي إلى قلبها بعد أن تقدّم لي قهوتها المركزة، أمي فنّانة وهي أسمى معاني الإتقان وهي من درّبتي على التميّز وهي الراعي الرسمي لأحلامي غير المعقولة وهي الخير والحبُّ والعمران والأساس، بل أجزم أنّ أمي هي أساسُ الأساس. صحيحٌ أني تعلمّت الأدب الفرنسي الحديث لكني إلى الآن تلميذ صغير في حضرة أمي الحنون.

أعيدُ تصفح الوجوه برفق، على الرصيف، وكأنها صفحات التاريخ، هم ذنوب الدولة وهي كثيرة، كيف يرقد السلطان وعلى بابه أعمى يطلب رزقًا؟ من أين يأتي ذلك الحزم في نظراتهم والفقر يلاحقهم كأنّة قدرهم الأبدي، لا يكل عن تذكيرهم بصور أطفالهم وكبش العيد وألعاب الصبية ومعنى الابتسام. تشرق شمس العطاء عليهم ببطئ شديد وكأنّ خصامًا قد حلا بين النور والعتمة وتزايد في معنى العطف المفقود. يفتح العمُّ سعيد مقهى السوق كعادته، فيروزيات الصباح، تعاليم نشأت عليها منذ ذهابي أوّل مرّة إلى المدرسة المجاورة، يُلقي تحية الصباح، يرشُ الماء، ويفتح المذياع على نشرة السابعة. السيّد الرئيس يدشّنُ دار الشباب ويعلنُ رعايته ودعم جنابه لقضايا اليانعين، وتستمرُ المغالطة.

سيّارة سوداء رياضية توقفت بجانبي، تنخفض النافذة القاتمة ببطئ، شابٌ قويُ البنية، مفتول العضلات، إنّه السائق الشخصي لـ«سيّدي الجديد»، أشار بيده، وكأنه يطلب مني الركوب. بدوري لم أنبس بكلمة واحدة. وإنطلق بسرعة جنونية يطوي الأرض وصفحات البسطاء. وكأن الزمن توقّف عن المرور وانتهى عن المسير. دخلت من باب كبير وكأني بفردوس مزعوم. الجنّة الموعودة، خضرة تكسي الأرض والسنديان زيّن السور. ومرّت أيّام على تعيني. لم أكن أعرف اسم «سيدي الجديد»، فكان يناديني بالفتى وكنت أجيبُ بالسكوت أو بمعاجم الطاعة والاستجابة. يا فتى قُصّ العشب، يا فتى اسقِ الزنبقة السوداء. كان يروي قصص عبثه ويسرد صولاته في روما، وأثينا، وكوستا ريكا، وكوبا، ولاس فيغس ومدن أخرى بعيدة. لم أكن أصغي إليه فقد كان شغلي الشاغل كيف أوّفر حاجة عائلتي الكبيرة. كان سكونًا شبيهًا بما بعد الموت لكنه سكونٌ جميل. لم أتعوّد النظر إلى «الفيلا» ولا إلى أملاكه ولا إلى ضيوفه وجاهه وسلطانه.

الساعة تشيرُ إلى السادسة، أسابق الشمس إلى مكان عملي، رحلة شاقّة في مترو المواصلات، مسكينٌ أيها الشعب. في تمام السابعة كنت أمام المستودع لأحضر الرفش والمعول والمرش. لم أنتبه لأعوان الشرطة الذين انتشروا في المكان، لقد تم السطو على «الفيلا» بالأمس، طلب مني أحدهم مرافقته إلى الداخل. بلاطٌ دريٌ ومجسّمات تاريخية وتمازج بين فن العمارة الفرنسية والبابلية ونقوش أندلسية جميلة تزيّن الأبواب والنوافذ. كنت منبهرًا بهذا الجمال. لم أكن أعرف أنّ القدر يعد لي ويلاً شديدًا. اقتادني الشرطي إلى مكتب في الطابق العلوي وتمت مجاهرتي بجرمي «أنت متهم بسرقة خزنة سيّدك». وحملت كالبضاعة إلى السيارة ثم إلى مركز الإيقاف أين أمضيتُ ليلتي الأولى، وحدي، سجين قضيتي، لعنت وقتها السياسة والحكومة وأرباب المال. لعنت الجامعة التي أُحب. لعنت معلّم الابتدائي، ذلك الشيخ الذي أفنى عمره في سبيل الرقي بجيل راهن على نجاحه. صورة أمي لم تفارق مُخيّلتي، كيف ستتقبّل أمي خبر إيقاف ابنها؟ وهي التي شيّعته إلى المدرسة واستقبلته بالزغاريد مُحمّلا بشهادته.

أشرقت شمس الصباح، لأوّل مرّة تسبقني الشمس إلى مكان عملي. قيّدتُ ونُقلتُ إلى غرفة التحقيق. بعد أن نفخ في وجهي دخان سيجارته قال لي: منذ متى وأنت تخطط لسرقة «سيّدك»؟ من شريكك في الجرم… إلى آخر الصف أسئلة قابلتها بلطف ابتسامة وانتهى. سأعرض الآن على القاضي. دخلت المحكمة. القضية رقم 3453 سرقة «الفيلا». حينها قذفتني هيئة الاتهام بالزندقة والإجرام والصعلكة…، حان الآن دوري للدفاع سأتولى المسألة بنفسي. حينها أحسست بشيء داخلي يدفعني إلى الثورة والانتفاض والعصيان والفوضى. قلت لهُ فقط: سيّدي أنا جئت أشحت كرامتي، وجرمي الأزلي أني ولدت محتاجًا لكني لم أتعوّد السطو على أملاك غيري. أنا جامعيٌ، أنا لست سارقًا. كنت أتحكّم في نبرة صوتي تارة أُعلي وأخرى أخفض وأقيم الحجّة وأمارس الثورة. طلب القاضي وقتًا للإدلاء بحكمه. حينها قال لي: اذهب في حال سبيلك فأنت غير معني بالقضيّة.

أفقت حين اصطدم رأسي بركن السيّارة وهي تحملني إلى المحكمة. الظاهر أني غفوتُ. سأُحاكم اليوم بجرم لم أقترفه. لكن الصرخة لا تنطلق من حنجرة المهموم إلا لتصمت، فالثورة أمام القدر لا تجدي.

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *