أيها الفلسطينيون.. شكرًا على وجودكم!

حُقّ لأهل فلسطين أن يفرحوا بنصر الله، أن يتخذوا يوم فتح أبواب المسجد الأقصى عيدًا، ويكتبوه بماء الذهب بين صفحات التاريخ! كيف لا؟ وقد حفظت آلاف مؤلفة من الفلسطينيين ماء وجه مليار من المسلمين.

كانت هذه الأيام على الكثيرين ممن يرى الكارثة ويقيده العجز أيام نحسات، كان الكثيرون يرقبون صمود الفلسطينيين ويدعون ألا يتسرب اليأس إلى قلوبهم، يدعون من أعماقهم أن يبقى أهل فلسطين كما عهدناهم دائمًا معجزة هذا الجيل، فمهما غرقنا في أوحال الذل والهوان يبقى أهل فلسطين حبل النجاة الذي نتمسك به، الشمعة التي تنير طريقنا والبدر الذي ينير ليلنا، يبقى أهل فلسطين النهر الذي يسقينا العزة، المنبع الفياض بالأمل، يخبرنا أن اليأس مع وجودهم مستحيل.

الأيام التي أغلق فيها الأقصى ستبقى نقطة سوداء حالكة في تاريخ المليار، لكنها ستكون وسام فخر يقلده التاريخ صدور شيوخ وشباب وأطفال تركوا كل شي ولبوا نداء الأقصى، مؤمنين أنه أغلى ما نملك، لا يهمهم من خذلهم فقد كان رباطهم لله سبحانه، خرجوا يحملون أرواحهم على أكفهم، خرجوا يدافعون عن أمة المليار أن تغصب أولى قبلتيها، أن يُدَنَّس مسجد تشد رحالها إليه، أن يُسرق منها مسرى الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومهبط الرسالات ومسجد ضم جميع الأنبياء!

هذه الأيام، كان الكثيرون يرون الشعور فيها بالأمن مخيفًا والرصاصات تخترق صدور المرابطين في الأقصى، كم كانت الضحكات قبيحة وأمهات في الأقصى تبكي الشهداء، كم كان قاسيًا أن تتوق قلوب إليكم ولا تجد ما تُحمل عليه، كم كان مؤلمًا القعود مع الخوالف وانتظار أخبار انتصاركم وراء الشاشات!

لقد جعلنا الفلسطينيون ندرك أن ما يجمعنا أكبر وأعظم مما قد يفرقنا، أن القضية هي ما يمنح الإنسان قيمة الوجود، أن ما يسعى لحمايته ما يستميت من أجل الحفاظ عليه هو ما يفصل بين المعنى من الحياة من عدمه.

جعلنا إخواننا المرابطون، ندرك من جديد نعمة عظيمة من نعم الله – عز وجل – على المسلمين أن فيهم أهل فلسطين يذوذون عن كرامتنا ولا يساومون على الحق، شعب يحفظ كرامة أمة، إنه الواحد الذي يحفظ للمليار قيمته، وإلا صار الكل إن زال مجرد أصفار، هل لكم أن تتخيلوا العالم من دون الشعب الفلسطيني، عالم رتيب كئيب تموت فيه العزة ويسوده منطق المادة، تخيلوا العالم دون صورة ذلك الطفل الذي عرَّض صدره لبندقية جندي جبان دون أدنى خوف، تخيلوا العالم دون صورة ذلك الشاب الذي قذف الصخر بوجه المدفع، تخيلوه دون صورة تلك المرأة القوية التي تَمَسَّك بها طفلاها وهي تصرخ في وجه المحتل تأبى أن يعرف أبناؤها الخوف والجُبن، تخيلوه دون صورة ذلك الشيخ المخضب بالدماء لا يمنعه أرذل العمر أن يدافع عن المقدسات، تخيلوه دون وجه تلك العجوز الباكي، وهي تغطي وجه زوجها تأبى أن يرى العالم دموعه، هذه الصور المؤلمة التي تختزل الصراع الأبدي بين الباطل والحق، بين الظالم والمظلوم، بين المغتصب وصاحب الأرض، هي ما يبعث الأمل في نفس كل مظلوم على هذه الأرض في عصر مادي محض لا يؤمن إلا بلغة الأرقام الجافة، هذه الصور تمنحنا اليقين أن الحق يبقى حقًا لا يسقط بالتقادم ولو مر عليه ألف عام، يبقى قائمًا لا يتزعزع من النفوس ما دام لأهله عزم مثل عزم أهل فلسطين، شعب يتوارث العزة كما يتوارث الأرضَ جيلًا بعد جيل، شعب حتى مُقْعَدُوه زلزلوا الأرض تحت المحتل يقضون نومه ويُفنون راحته!

لن يكون اللحاق بكوكب فلسطين سهلًا، فما يفصلنا عنه ليس فقط تكنولوجيا نستوردها أو نظام نتعلمه، الأمر أكبر من ذلك بكثير، ففي كوكب فلسطين ثمار تبحث عنها الإنسانية كلها، لكنها لا تنبت اليوم إلا في أرضهم: العزة والصمود واليقين بنصر الله، إنها أرض مقدسة، كم يلزم الأمة من سنوات نورانية للوصول إليها؟ كم يلزمنا ليصبح المليار كالفلسطينيين؟

قرأت مرة للمفكر المغربي الكبيرالأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد في كتاب ألفه بعد زيارته لغزة بعد الحرب دَوَّنَ فيه أنه في غزة أحس بالأمن أنه استطاع أن ينام في تلك الأرض بسكينة لم يعرفها منذ ثلاثين سنة، لم أفهم في البداية كيف ينام بسكينة في أرض مهددة بالنار في كل حين، لكني سألت نفسي وأسأل المسلمين كما سأل إبراهيم عليه السلام قومه، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، فريق يدرك أن عيشه جهاد وموته شهادة، أو فريق لا يدرك من الدنيا سوى أنه على قيد الحياة؟ فريق همه أرض مباركة مبارك ما حولها وحرم صلى فيه الأنبياء أم فريق همه بيت ومركب ومطعم وملبس؟ أي الفريقين أحق بالأمن لو كنا ممن يعلمون؟

إلى أهل فلسطين التاريخية، التي مهما أصر العالم على تغيير معالمها وتقسيم شعبها في الداخل والخارج وجعلهم ينسبون إلى تواريخ النكبات، والسعي إلى طمس هويتهم وتشويه صورتهم، مهما أصر عالم الظلم على تركيعكم أريتموه منكم ما يكره وثبتم على الحق، شكرًا لكم لأنكم لم تلتفتوا إلى تخاذلنا، بل ثبتم، شكرًا لأنكم لم تأبهوا بتخلفنا، بل تقدمتم، شكرًا للمرابطين أن أعادوا للأمة مسجدها الأقصى، فجزاكم الله خير ما جزى به المجاهدين في سبيله، لولاكم أيها الأبطال لهلكنا فدمتم للعز شعارًا، شكرًا لكم فقد أعدتم للقضية شبابها بعد أن شاخت في نفوس الكثيرين، شكرًا فقد علمتم المسلمين أن للقضية أجنادها فمن نصرها، فإنما ينتصر لدينه وينجو بنفسه، ومن خذلها فإنما يخذل دينه، ويُهلِك نفسه، الحمد لله أن في جيلنا يوجد فلسطينييون، شكرًا على وجودكم.

رابط كاتب المقال : هههههه888

Posted in غير مصنف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *