ألبرت آينشتاين و نسبية الحقيقة

عثمان عابدين عثمان

كان ألبرت آينشتاين عالم فيزياء وقد نشر نظريتي النسبية الخاصة والعامة, وتجلي ذكائه العلمي والفريد في إكتشافه للمعادلة ألفيزيائية البسيطة: ’ط = ك.س2‘ التي غيرت جذريا فهمنا للطاقة والذرات واستخداماتها. في ذات ألوقت, تمكن بخياله الخصب و تفكيره المنظم من خلق نموذجا ساحرأُ للكون أثر, وإلى الأبد, في  الطريقة  التي نفكر بها في وجودنا ومكانة ألإله في اِمتداد الكون أللأمتناهي.

ولد آينشتاين في آذار/ مارس 13, 1879, من أبوين ألمانين- يهودين, وبدأ تعليمه ألإبتدائي في مدرسة كاثوليكية في ميونخ, و إنضم من بعدها للمدرسة الثانوية المحلية. في سن الحادية عشرة من عمرهِ خضع اٌينشتاين لتربية دينية مُكثفة، لم يأكل خلالها لحم الخنزير, وألف وغنى اَلآشعار الدينية. كان آينشتاين طالباَ حالمأُ يشعر بالملل مع معظم الأنشطة المدرسية, وبذلك ترعرع مع كره للأنضباط والروتين. من سن ألإثني عشرة قرأ آينشتاين ألكتب المتداولة حول العلوم وألفلسفة بما في ذلك كتاب إيمانويل كانت “كتاب نقيض التوحيد: في نقد عقلية المنطق الخالص”. في سن السادسة عشرة تخلى آينشتاين عن جنسيته الألمانية ليصبح عديم الجنسية بسبب رغبته في الهروب من الخدمة العسكرية الإلزامية. من بعد ذلك إلتحق بجامعة زيورخ للفنون التطبيقية، ولكن نادراً ما إلتزم بدوام المحاضرات, ومع ذلك, قضى الكثير من وقته في إجراء تجاربه الخاصة وقراءة أحدث التطورات في علوم الفيزياء. أضف إلي ذلك إهتمامه و قرائته وتعلمه عن ’الاشتراكية الثورية‘ من صديقه فريدريك أدلر الذي اغتال, في عام 1918, رئيس وزراء النمسا.

وقع اَينشتاين بحب ميليفا ماريك، الفيزيائية الصربية، والطالبة الوحيدة في فصله وألتي علي الرغم من كونها قد بدت عادية الذكاء, ومصابة بعرج, كانت قادرة على جذب انتباهه واكتساب قلبه. تزوج أينشتاين من ميليفا في عام 1903، وأنجبا إثنين من الأبناء، هانز وإدوارد, وإ نفصلا بعد عشر سنوات بسبب علاقتة مع ابن عمه، إلسا لونثال, والتي تزوجها مؤخراَ. هاجر اَينشتاين بصحبة إلسا إلى الولايات المتحدة حيث كانت ووفاته في نومه, في 18 أبريل 1955، من أثر إنفجار في شريانه الأبهر.

عاني اَلبرت أينشتاين في ألتوفيق بين تفكيره المجرد ونزعات معتقده الديني, وإعتبر نفسه ’لاأدريٌ‘, أي أن إعتبار وجود ألله غير معروف أو مستحيل معرفته. أما ’ألإلحاد‘ فكان بألنسبة له يقينٌ مُطلق يعارض مع منظومة أفكار الفضولية والميلة للشك. وقد قال في التضاد الموجود بين العلم والدين, “من خلال قرائتي للكتب العلمية سرعان ما تصلت إلى الاقتناع بأن اَلكثير في قصصِ الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون صحيحه”. وإستطرد قائلاً, “لا أستطيع تصور ألإله الذي يكافئ ويعاقب مخلوقاته و يمتلك ذلك النوع من ألمقدرة كالذي يعتمل في حنايانا. وكذلك ليس في مقدرتي أن أتصور الفرد, ذو النفس الخائفة والضعيفة, والذي ينجو من فنائه الجسدي, ويظل يتمسك ويعتز بمثل هكذا تَصٌّورْ. فرغبة ألإنسان في ألهداية والحب هي التي تشكل تصوره للإله الرحيم الذي يرأف بعباده ويحب ويقدس ألإنسان؛ ألإله ألمعزي في الحزن والمخفف لِلوعَة المحروم, والذي في نهاية المطاف يصعد بروح موتاه إلي حيث الراحة والخلود.

شكلت شكوك  أينشتاين حول الكتاب المقدس, وفشله في تبرير وعقلنة سلوك إله الديانة المسيحية, معضلة التناقض والتضارب مع ما كان يعرفه ويفهمه من قراءة الكتب العلمية. وقد دفعه هذا التناقض وألتنافر الديني-العلمى لتحرير أفكاره, وشجعه على الخوض والمغامرة في البحث عن النظام والانسجام في خضم العشوائية والفوضى البائنة والمنتشرة في مختلق مظاهر الطبيعة. وإعتقد في حقيقة أن هناك نظام كامن فيما وراء ما  بدي من فوضي, وقد لخص وجهة نظره تلك في قولتهِ المشهورةِ: “الله لا يلعب النرد بمصير الكون”.

مثل ’باروخ سبينوزا‘, أعتقد أينشتاين أن السلوك البشري تحدده قوانين السببية. في عام 1929، كتب أينشتاين إلى الحاخام هربرت قائلاً، ” أنا إعتقد في إله سبينوزا الذي يَتَبدّي في إتنساق ووئام كل ما هو موجود في الطبيعة، وليس في ذلك ألإله الذي يكون كل شانه وإهتمامه في ماذا يفعل البشر”. وشرح في إجابات مكتوبة قدمها إلى عالم ياباني عن آرائه حول العلم والدين بقوله: “يمكن للبحوث العلمية أن تقلل الخرافات من خلال تشجيع الناس على التفكير وفهم الأشياء من حيث السبب والنتيجة.” في مقالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في عام 1930، ميز أينشتاين ثلاث حوافزبشرية تطور المعتقد الديني: الخوف, منظومة القيم الفضائل ألإجتماعية, وتجليات الشعور الديني في مظاهرالوجود. وقال إن ألفهم الغيبي لزاهرة ألسبب والنيجة يسبب الشعور بألخوف, وألخائف بدوره يحاول يتصور كائنات خارقة للطبيعة ومتماثة في ما بينها. أما الرغبة في الحب والقبول عند ألأخر هي من تخلق الحوجة  ألإجتماعية وألأخلاقية لِوجودٍ متعالي وسامي.

في محاولأته الجادة لحل هذا التناقض الظاهري بين العلم والدين ومفهومه الأوسع لنظام ألكون, ألف أينشتاين كتابه “الأفكار والآراء” في عام 1955, ومن بعد ذلك طور فكرة ألكتاب إلى نظام معتقد أشمل سماه ’الدين الكوني‘, والذي فيه نفي اَي تدخل سامي ومطلق في مجري ألأحداث ألخاضعة لقانون السبب والنتيجة, و أن ألإطلاق المتمثل في خوارق ألأشياء ليس أكثر من منظومة أفكار تحاول تفسير فيما وراء الطبيعة.

في عام 1952, في كتابه “النظرية النسبية العامة”, تصور أينشتاين الكون كسلسلة متواصلة من المكان والزمان تتشكل من خلال فعل الجاذبية في أربعة أبعاد: البعد الزمني, والأبعاد الثلاثة للمكان.  وتوصل إلي أن أية علاقة نسبية من ’متواصلة المكان والزمان‘ تتوصتها  فوهة سوداء تكون عندها الجاذبية في أقصى عنفوانها وتصبح قيمة والوقت والمكان لانهائية. وتتنبأت نظرية النسبية العامة بتأثير الجاذبية على مرور الوقت, وإن إنحراف الضوء من قبل النجوم وإمتدادات متواصلة المكان والزمان يؤخر مرور الوقت مقارنة مع سرعة الضوء في الفراغ. ونتيجة لهذا ألإستنتاج التجريبي المجرد, قدم أينشتاين مفهوم ’نسبية الزمن‘ من خلال التقريرالذي قوله فيه: “الأحداث التي تقع في وقت محدد لمراقب بعينه, يمكن أن تحدث في وقت مختلف لمراقب آخر”. وخلُص إلى أن لحظات الحاضر والمستقبل كلها تأخذ تتجمع حيز واحد من تلك المتواصلة.  وقد انعكست وجهة نظره هذه في وحدانية الزمن والمكان في الرسالة التي كتبها إلى أسرة صديقه ’بيسي‘ عقب وفاته  قائلا: “على الرغم من عدم اهمية من الذي يسبق ألأخر في الممات, فإن الفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل هو مجرد وهم، وإن كان يبدو مقنعا.”

في وقت لاحق في حياته، أدرك أينشتاين أهمية ألإتزام الأخلاقي في تعريف وتكوين و جداننا ألإنساني حينما قال, “أعتقد أنه يجب علينا أن ندرك قصور معرفتنا وفهمنا للإشياء, والتعامل مع القيم والأخلاق كمعضلة إنسانية بحتة, تاخذ ألأولوية القصوي من إهتمامنا وتفكيرنا”. وقال أيضاً: “ليس هناك خلاص للبشرية, أو معني للجمال أوكرامة في حياة ألأنسان بدون ثقافة مبنية ألقيم والمثل ألأخلاق.”

هوامش:

ط:

‘؛ يمثل الطاقة، التي نقيسها في جول. جول = كغ x m2 / s2

ك:

. يمثل كتلة من الكائن المحدد في كيلوغرام

س:

يمثل سرعة الضوء في فراغ = 300،000،000 متر في الثانية الواحدة

’باروخ سبينوزا‘, و في وقت لاحق, بينيديكت دي سبينوزا, كان فيلسوفا هولندي من أصل برتغالي-سفاردي.

المراجع ( الرجاء ألإحالة للمصادر في النسخة الملحقة باللغة ألإنجليزية):

ألبرت أينشتاين، ’النسبية: النظرية الخاصة والنظرية العامة‘ 1920,  جامعة شيفيلد، هنري هولد و شركائه.

ألبرت أينشتاين، ’العالم كما أراه‘, 1949، نيويورك، سيتاديل برس, مجموعة كنسينغتون للنشر.

ألبرت أينشتاين، ’من سنواتي اللاحقة‘، 1990، نيويورك، كتب بونانزا.

إيمانويل كانت، ’كتاب نقيض التوحيد: في نقد عقلية المنطق الخالص‘, 2007؛

ديفيد بودانيس، ’أفكار وآراء‘، 2010، كارل سيليغ، سونيا برجمان، جمعية فوليو.

—————

[email protected]

9th of august, 2017

Share

التعليقات

( التعليقات الواردة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الصحيفة)

لا تتردد في ترك التعليق…

رابط كاتب المقال : اق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *